لا يزال شعار الدولة المدنية حلماً يراود كل من يؤمن بالمساواة أمام القانون وبحرية المعتقد المطلقة التي بني عليها الدستور، قبل أن تحوّلها السلطات المتعاقبة، منذ الانتداب، إلى مجرد حبر على ورق لتبتكر أعرافها الخاصة.


وأمام سطوة القوى الطائفية، باتت الأعراف قواعد ثابتة، وأصبح مرورعلاقة المواطن بالدولة عبر الطائفة ضرورة... مرة جديدة، يجتمع عدد من المواطنين للمطالبة بإعادة الاعتبار الى الدستور، عبر السعي إلى تحفيز اللبنانيين على فرض حقوقهم على من اختطفها منهم طوال عقود. المسألة، هنا، معقدة. لكن الانطلاقة سهلة. على رقم الهاتف ــ 81/202040 ــ يمكن الانضمام إلى المجموعة، عبر إرسال صورة عن بطاقة الهوية على تطبيق «واتساب».
يوم الخميس الماضي، أطلق الوزير السابق شربل نحاس، عبر برنامج «كلام الناس» حملة «احترموا الدستور، نعم للاقتراع خارج القيد الطائفي» من أجل استعادة الدولة المدنية. ونحاس ليس بمفرده، بل يقف إلى جانبه 43 شخصية من مختلف التوجهات السياسية، بينها صحافيون وممثلون وعاملون في الشأن العام ونواب ووزراء سابقون ومحامون وإعلاميون وغيرهم.
نعمت بدر الدين، إحدى المشاركات في هذه الحملة من مجموعة «بدنا نحاسب»، ترى فيها «استكمالاً للعمل التراكمي الذي بدأناه في الشارع وطرح خيارات أمام اللبنانيين لها علاقة باحترام الدستور». ففعلياً إذا كان السياسيون غير قادرين على الاتفاق حول أي شيء «فلماذا لا نعود الى الدستور الذي يحقق المساواة بين اللبنانيين ويتكلم عن انتقال تدريجي للوصول الى الدولة المدنية». والحملة، وفقاً لبدر الدين، واعية أن التغيير يحتاج الى مسار ونفس طويلين، «لأننا متنبهون الى طبيعة النظام الطائفي والأخطبوطي الذي يجمع كل القوى». ولكن حتى يصل دعاة الدولة المدنية الى هدفهم، يحتاجون الى «فكفكة علاقة تبعية المواطن بالزعيم. لذلك، الحملة هي مرحلة من مراحل مواجهة هذا النظام السياسي وتضم مواطنين من مختلف الملل والمناطق اجتمعوا تحت سقف المواطنة». وما الاستفتاء الحاصل سوى لتبيان أن هناك أشخاصاً «يريدون هذا الخيار ولا يمكن الاستمرار بتجاهلهم». أما عن عدم ارتياح بعض اللبنانيين لمسألة إرسال هوياتهم، فتقول بدر الدين إنه «يمكن للمرسل تغطية رقم الهوية التسلسلي، والفكرة أن نوثق مطلب الناس بدولة مدنية عبر وثائقهم الرسمية، وحتى الساعة تلقينا أكثر من 5 آلاف رسالة». إشارة الى أن مدة الحملة 45 يوماً وستكمل بعدها في الشارع: «ندعو كل اللبنانيين الذين يؤمنون بالدولة المدنية الى الاستفسار أكثر منا عن هذا الموضوع».


إرسال صورة الهوية لتوثيق مطالبة الناس بدولة مدنية عبر وثائقهم الرسمية



حملة المطالبة بتطبيق الدستور للوصول الى دولة مدنية لا تضم فقط أعضاء مجموعات سياسية، بل أيضاً فنانين، كالممثل طارق تميم. الأخير انضم الى الحملة لأنها انعكاس للحياة اليومية التي يعيشها وللمبادئ التي يؤمن بها. إذ يفترض «ألا يفرّق بين المواطنين أي طائفة أو مذهب أو انتماء حزبي؛ نحن لا نطلب المستحيل، بل نتكلم بلغة جزء كبير من الناس الذين ينادون بالمساواة وحرية المعتقد». فما يهم الشباب فعلاً هو «أن يبقى هذا البلد لنا ولأولادنا، حيث يكون معيار التعيين والانتخاب هو الكفاءة، بغض النظر عن الطائفة». والدولة المدنية بالنسبة إلى تميم يلخصها شعار: «الدين لله والوطن للجميع».
من جهته، يرى مسؤول الشؤون الانتخابية في «بيروت مدينتي« طارق عمار أن دستور الطائف يحتوي على بنود إجرائية تقول بوضوح بوجوب انتخاب مجلس نيابي من خارج القيد الطائفي يرافقه مجلس شيوخ. والدولة المدنية هنا ضرورة «لحل كل المشكلات التي تواجهنا يومياً ولها علاقة بغياب دولة القانون من حجب المحطات التلفزيونية الى منع مجموعات من عقد مؤتمر بسيف الدين، الى اقتطاع مقاطع من فيلم ما، إلى 100 حادث وحادث». فما يجري اليوم هو «حفلة تكاذب على الدستور، أما الدولة التي نريدها فهي التي لا تميز بين مواطن وآخر، والتي لا تجرى فيها المناقصات خارج المؤسسات والتي تمنع مجموعة مذهبية من «السلبطة» على باقي المجموعات. دولتنا هي الوحيدة القادرة على حماية حقوق المدنيين وتطوير البلد، فيما دولتهم هي دولة النظام الطائفي الذي هو عبارة عن حرب دائمة وفوضى لا تنتهي».
يتلاقى المشاركون في حملة العودة الى الدولة المدنية في المطالبة بإعادة الاعتبار للدستور بمادتيه السابعة والتاسعة اللتين تناديان بحرية المعتقد والمساواة بالحقوق والواجبات. وذلك يحتّم أولاً إلغاء الأعراف التي ابتكرتها الطوائف تحت عنوان «الحفاظ على الوجود» والتي تريد اليوم تكريسها عبر قانون طائفي مخالف لكل القوانين يمنع فيه اللبناني من انتخاب مرشحه إن كان لا ينتمي الى طائفته ويفرّق بين المواطنين. ووديع الأسمر، أحد أعضاء مجموعة «طلعت ريحتكم»، مقتنع أكثر من أي وقت مضى بطرح الدولة المدنية «لأن الدستور في الأساس مدني». والأهم من ذلك كله اليوم «تبيان العدد المؤيد لهذه المطالب، إذ عند كل مفترق نسمع السؤال نفسه: إنتو قديه بتمثلوا؟ وبرأيي هذه مناسبة لإعادة تذكيرهم بأننا كثر ومستعدون للمواجهة». فبرأي الأسمر، وحدهم الذين يعملون على تكريس الدولة الطائفية خائفون اليوم على مكتسباتهم. والدليل أن كل القوانين المطروحة تسوّق للطائفية وتسقط أي أمل بخيار آخر غير طائفي للوصول الى السلطة. فقد حان الوقت «لنقول لهم بكل وضوح إن دولتكم الطائفية لا تعنينا ونريد استرجاع دولتنا المدنية». فيما أهمية هذا التحرك اليوم «حتى لو لم يغيّر فاصلة في القانون الانتخابي، هي جمع المواطنين الذين يؤمنون بالخيار الآخر ليتعرفوا إلى بعضهم بعضاً عن كثب ويتّحدوا، حتى نتمكن من الوقوف معاً في وجه القوانين الطائفية».