كان العالم، وهذه المنطقة قلب أحداثه، يمضي في اتجاه مُعيّن... إلى أن وقعت «جريمة». تغيّر كلّ شيء. تبعثرت أوراق اللقاءات كلّها، ما ظهر منها وما بطن، إذ جدّ «شي جديد» على خطّة «العالم الجديد». كان ذلك قبل 17 عاماً.


منذ ذلك التاريخ ونحن نُسدّد الفاتورة. كلّ الدم الذي لفّ هذه المنطقة، وإلى اليوم، سببه تلك «الجريمة». لم يكن العالم، والعرب أنظمة وشعوباً في المقدّمة، حاضراً لتقبّل أنّ إسرائيل يُمكن أن تُكسَر. الأنظمة فُضِحَت. جهود نحو قرن مِن التوهين، مِن بثّ دعاية العجز، بُدّدت في يوم. إسرائيل أُخرِجت مِن لبنان، بالقوّة، بالمقاومة، وبلا قيّد أو شرط! هذا يُمكن أن يحدث! ما الذي سنقوله لشعوبنا الآن؟ هلمّوا إلى الفتن المذهبيّة. هذه الأنظمة. أمّا الشعوب فكانت قد أدمنت عجزها، خوفها، تصالحت مع تأبيد تخلّفها، وكلّ مَن سيأتي بعد ذلك لتحريك أوجاع الذاكرة، مِن نكبة ونكسة واجتياح، وجبال مِن الوعود الكاذبة والخيبات والفشل... ستلعنه. كان شعارها غير المعلن، والمخجول به، هو «لا نستطيع». هذه هي الشعوب، هنا، ودعك مِن أشعار التعويل عليها كيفما كان. آلام الماضي جعلت مِن التحرير مناسبة في غير أوانها. جاء متأخراً. ما مِن قضيّة تبقى على حالها وقد تعاقبت عليها الأجيال. هذه ضريبة الزمن. هذا عن الصادقين، الذين أنهكهم صدقهم، فأصبحوا مرضى. أمّا السفلة، الذين آذوا المقاومة دوماً، ولو كانت فكرة، فهؤلاء حكاية أخرى.
أهدى السيّد حسن نصر الله، في لحظة التحرير، النصر الذي بين يديه إلى «الجميع». إلى «كلّ لبناني». إلى «الأمّة». كان يُلقي الحجّة على الجميع: «نعم نستطيع». لا يُمكنك أن تفضح سافلاً بسفالته مِن غير أن يكرهك. كان السيّد، وربّما لا يزال، يتعامل مع الأنظمة العربيّة، الخليجيّة تحديداً، على أنّها شيء غير العدو. ليس وحده، هذه قناعة عامة طبعت سلوك كلّ «الوحدويين» على طول الصراع.
داخليّاً، في لبنان، ثمّة كذبة تُردّد منذ التحرير مفادها أن «الجميع كان مع المقاومة». أما آن أوان تفنيد هذا الفجور؟ أما آنت لحظة الكفّ عن المجاملة على حساب التاريخ أو التأريخ؟ هذه أمانة تُنقَل إلى الأجيال، لا بدّ أن تكون كما هي، فمكابرة، و«ضد الطبيعة»، أن تكون منتصراً ثم لا تكتب أنت التاريخ. أقلّه تاريخك أنت. لا، لم يكن مع المقاومة إلا المقاومة. إلا المقاومون. مَن الذي أطلق النار على المقاومة تحت جسر المطار عام 1993؟ مَن الذي ارتكب تلك المجزرة؟ دعك مِن القتلة باليد، ولكن ذلك حصل في ظلّ حكومة رفيق الحريري، يعني مسؤوليّة معنويّة (أضعف الإيمان). مَن الذي خطط، ولاحقاً أعطى الأوامر، للجيش بأن يضرب المقاومة في الجنوب، ثم لم يحصل ذلك لأن «العسكر» رفض تنفيذ الأمر؟ مَن الذين تبنّى خيار «جزّين أولاً»؟ كان ذلك عام 1997 (واستمر السجال إلى عام 1999). هذه أشياء لا يعلمها كثيرون ممن عمرهم اليوم 20 عاماً. لا بدّ أن يعرفوا، أقلّه مَن يهمه أن يعرف مِنهم. لأن منطقة جزين ليس مُسلمة، بل مسيحيّة، كان البعض يصرخ ويدعو إلى أن يكون الانسحاب الإسرائيلي منفرداً، مع قيد وشروط، يعني باتفاقيّة أمنيّة خاصّة. كان لدينا بطرك يقول، في تصريح لا تسريب: «منطقة جزين عالقة بين نارين، نار الاحتلال الإسرائيلي ونار حزب الله، وفي الحالتين يُقتل الأبرياء وتسيل دماء الشهداء». مَن هم الشهداء عنده؟ أمثال عقل هاشم. نائب قائد «ميليشا لحد» (أكياس رمل الإسرائيلي). وفي مراسم دفن العميل الذين وصلت إليه يد المقاومة، سيُشارك البطرك، ممثلاً بأحدهم، وستُلقى كلمته في قرية دبل الجنوبيّة (المحتلة يومها) فيأتي فيها: «أتوقّف عند حياة الفقيد الفاضل (العميل عقل هاشم)، لقد عرفناه رجل إيمان وأباً عطوفاً حنوناً وإنساناً محبّاً للجميع. لقد غسل بدمه تراب هذه المنطقة... أتقدّم بأحرّ التعازي مِن حضرة اللواء الفاضل أنطوان لحد». هكذا كانت الأمور تجري في تلك الحقبة. كان «عاديّاً» أن يخرج نائب ووزير (نديم سالم) ويدعو حزب الله إلى التوقّف عن العمليّات التي تستهدف العملاء الإسرائيليين في منطقة جزين، لأنّ هذا «يُضرّ بالمدينة ولا يُحرّرها». هذا غيض مِن فيض، ومَن لا تخونه الذاكرة، ثم يسمع مرّة تلو أخرى أن «الجميع قاوم الاحتلال»... فلا بدّ أن يعتمل القرف داخله. لم يكن أحد مع المقاومة إلا المقاومة. الذين كانوا يؤيّدونها، بصدق، ودفعوا الثمن، شهداء وأحياء... هم مقاومة أيضاً. هؤلاء معروفون.
عام 1996 «اجتمع العالم كلّه في شرم الشيخ» ضدّ مبدأ المقاومة. قرروا أنها «إرهاب». كان هذا قبل دونالد ترامب في السعوديّة. أعطي الضوء الأخضر، الغربي والعربي، لضرب المقاومة مِن قبل «صنّاع السلام»... فكانت «مجزرة قانا» وأخواتها. وبقيت المقاومة. في مثل هذا اليوم انتصرنا عام 2000. جاء التحرير. إسرائيل أوهن مِن بيت العنكبوت. فعلناها، نحن الذين قاومنا، ودفعنا وما زلنا ندفع... ثمن تلك «الجريمة».