يزعم تقرير صدر أخيراً عن المنتدى الاقتصادي العالمي أنه يساهم باستعدادات المنطقة للدخول في اقتصاديات المستقبل، يستعيد التقرير التشخيص نفسه والتوصيات العقيمة، التي ما انفكت المنظمات الحكومية الدولية تكررها منذ عقود ولكن بغلاف يتغيّر وفق الأحداث المتغيّرة.


فالحديث نفسه الذي ساد مرحلة ما بعد التسعينيات أعيد تدويره في النقاش عن التحديات الاقتصادية للمنطقة في ظل الانتفاضات العربية والانتقال الديموقراطي، والآن يُعاد تدويره ولكن بإطار الثورة الصناعية الرابعة والنشاطات الاقتصادية القائمة على التكنولوجيا، والأتمتة والتطبيقات الهاتفية، إلخ. فتخلص معظم التقارير، بما فيها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، أن مشاكل المنطقة الاقتصادية تعود إلى ثلاثة عوامل: عدم ملاءمة مهارات طالبي العمل مع متطلبات الشركات، تدني مشاركة النساء في سوق العمل، وضعف القطاع الخاص في ظل قطاع عام متضخم.
ينطلق التقرير من مؤشر الرأسمال البشري الذي ينتجه المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو بحسب التقرير يقيس الى أي مدى تحقق البلدان الإمكانيات الكائنة في الرأسمال البشري لديها عبر التعليم وتطوير المهارات. فتستفيد المنطقة من إمكانيات الرأسمال البشري لديها بنسبة 62% مقارنة مع معدّل عالمي يصل إلى 65%. ويبدأ التقرير بعرض أهم خصائص سوق العمل في المنطقة بالتشديد على المستوى المنخفض لمشاركة النساء، نسب البطالة العالية بالأخص عند الشباب والمتعلمين، والحصة المرتفعة للاستخدام في القطاع العام. كما أنه يلحظ الوقع الملحوظ للعمل غير النظامي، إذ يتخطى الـ50 بالمئة من نسبة العمالة في العديد من البلدان العربية، والحصة الأكبر من الوظائف المستحدثة تقع غالباً في الاقتصاد غير النظامي.


يخلص التقرير
إلى أن المشكلة
تقع على عاتق العاملين أنفسهم

وفي ظل هذه المعطيات وإمكانيات الأتمتة المرتفعة في بعض البلدان (على سبيل المثال 41% من الوظائف في الكويت معرّضة للأتمتة، وتصل هذه النسبة إلى 49% في مصر و50% في المغرب)، يمكن للمنطقة العربية أن تستعد لهذه التحولات وتخفف من وطأة الاضطرابات التي قد تحدثها هذه التحولات عبر تحقيق الإمكانيات الكامنة في الرأسمال البشري المتمثل بالنسب المرتفعة للشباب المتعلّم. وفي هذا المجال يشير التقرير إلى أنه يجب إصلاح النظم التعليمية في المنطقة بفعل «عدم ملاءمة المهارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ أن الشباب لا يتمكنون من الاستحصال على المهارات المطلوبة من أجل النجاح في وظائف اليوم، فضلاً عن وظائف الغد. فيشير قرابة 40 بالمئة من أصحاب العمل إلى أن الفجوة في المهارات هي من أهم المعوقات أمام نمو الأعمال». ويشدّد التقرير على ضرورة تشجيع الاستخدام في القطاع الخاص، في ظل قطاع عام متضخّم يسبب تشويهاً في سوق العمل إذ أنه يجذب الشباب، فيطرح التقرير أن يكون التوظيف الحكومي مشروط بوجود خبرة مسبقة في القطاع الخاص. ويخلص التقرير إلى طرح مبادرتين تحت عنوان الرؤية الجديدة للاستخدام العربي ومجموعة العمل المعنية بالمساواة في النوع الاجتماعي، ومن أهم توصياتها إصلاح النظم التعليمية، الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
يحتوي التقرير على تناقضات عدّة، كما أنه يطرح حلولاً سطحية وحاسمة أمام مسائل شديدة التعقيد ومبهمة كالأتمتة ومستقبل العمل، الذي لا يزال غير معروف، فيتم التعامل معه بيقين مستغرب. ففي حين يعترف التقرير بالنسبة الكبيرة للعمل غير النظامي وازدياد البطالة عند الشباب المتعلّم، يرجع المشكلة إلى الفجوة في المهارات وتضخم القطاع العام. بالفعل تشير تقارير عدّة سابقة إلى أن اقتصاديات المنطقة لا تنتج وظائف لائقة ومنتجة، بل يزداد حجم الاقتصاد غير النظامي في القطاع الخاص والذي يتميّز بأجور متدنية، بهشاشة عالية وانتهاكات ملحوظة لحقوق العمّال. ولكن عوضاً عن الاستنتاج أن القطاع الخاص يعاني من ضعف الإنتاجية وأن الوظائف التي ينتجها تتطلب مهارات متدنية لا تتلاءم مع مهارات الشباب المتعلّم، يخلص التقرير إلى أن المشكلة تقع على عاتق العاملين أنفسهم وأن إنتاجيتهم متدنية بفعل المهارات التي يكتسبونها من انخراطهم في التعليم العالي والمتوسط. فأمام هذا الواقع يلجأ الشباب المتعلم إلى القطاع العام من أجل تأمين الاستقرار الوظيفي، والتأمين الاجتماعي الذي لا يوفره القطاع الخاص الذي ينتج وظائف لانظامية، هشة ومتدنية الإنتاجية. ففي هذه الحالة يكون سدّ فجوة المهارات إما عبر زيادة إنتاجية القطاع الخاص، أي عبر تغيير البنى الاقتصادية وتحويلها بعيداً عن الأنشطة الريعية، أو إصلاح النظام التعليمي من أجل أن يخرّج شباباً بمهارات أدنى تتلاءم مع الوظائف الهشة التي تستحدثها اقتصاديات المنطقة. إذن، يعيد التقرير المعزوفة نفسها: ردم فجوة المهارات، تقليص حجم القطاع العام وتغيير سياسات العمل (أي إرساء المرونة والتخفيف من القيود على أصحاب العمل)، بغض النظر عن المسألة المطروحة. كما أن التقرير يتجاهل البنى الريعية الطاغية على اقتصاديات الدول العربية، ويتعاطى مع المنطقة خارج سياقها، أي يتجاهل الحروب التي تنتشر فيها، وكأنه لا يوجد أكثر من 6 ملايين لاجئ فيها، فضلاً عن الإنفاق العسكري المرتفع جدّاً الذي يصل إلى 8 بالمئة من الناتج المحلي، فعلى سبيل المثال وقعت المملكة العربية السعودية اتفاقية شراء أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار مع الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ بلدان المنطقة غارقة في اتفاقيات التجارة، الثنائية والمتعددة الأطراف، مع البلدان الصناعية الأوروبية والولايات المتحدّة التي تقود مسار الأتمتة وتمنع هذه الاتفاقيات نقل التكنولوجيا إلى المنطقة.
يكرر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي التوصيات نفسها التي كررتها التقارير السابقة حول المنظقة، والتي أثبتت فشلها في الحقبات التاريخية والاقتصادية السابقة. ويعيد الوصفات النيوليبرالية القديمة ولكن يوضبها في سياق مختلف لمستقبل غير معروف و»ثورة صناعية رابعة» لا تزال معالمها غامضة ويرجّح بأن تقلب البنى الاقتصادية رأساً على عقب، ولكن المنتدى الاقتصادي يتعاطى معها على أنها صورة معدّلة ومنقحة عن الحاضر وامتداد خطي مستقيم للواقع الحالي.