تختلف تقنيات مفاعلات الطاقة النووية بشكل جذري بين تصميم وآخر، إذ توجد عدة أنواع من مفاعلات الانشطار النووي المستخدمة اليوم على نطاق واسع في الدول المتقدمة علميّاً، بانتظار نضوج تكنولوجيا الاندماج النووي التي تعتبر هدفاً رئيسياً ثميناً كمصدر نظيف مستدام للطاقة، ولا نبالغ إذا قلنا إن مستقبل البشرية يرتبط بإحكام السيطرة على هذه التكنولوجيا. وبانتظار اكتمال هذا المشروع – الحلم بعد عقود، تعمل مراكز الأبحاث النووية في العالم على استكشاف أفضل الإمكانات الممكنة في مفاعلات الانشطار النووي.


مفاعل مولّد للمواد النووية الانشطارية

وبينما تنتشر في العالم اليوم بشكل أساسي «المفاعلات النووية الحرارية» العاملة على اليورانيوم المخصّب بنسبة 3.5%، والتي تعتمد على الانشطار النووي الذي تسببه النيوترونات البطيئة مع نظائر اليورانيوم، توجد أيضاً عدة تقنيات أخرى قيد الاستعمال؛ ومنها مفاعلات الثوريوم من جهة، والمفاعلات العاملة على النيوترونات السريعة من جهة أخرى، وهي مفاعلات أصغر حجماً وأقل تعقيداً وأقلّ تلويثاً، لكنها تحتاج إلى معرفة علميّة أوسع لخفض كلفتها وإحكام السيطرة على تقنيّاتها. هذه المفاعلات الأخيرة هي الأكثر إثارة للاهتمام وتعرف «بالمفاعل المولّد السريع» أو fast breeder reactor، إذ إن السمة الأساسيّة لعمله تكمن في أنّ النفايات أو البقايا النوويّة الناجمة عنه، يمكن أن تستعمل كوقود له من جديد، أي أنّ هذا المفاعل يمكنه إنتاج وقوده بنفسه خلال إنتاج الكهرباء، ولذلك يسمى المولّد. وتعني هذه الخاصيّة أن لا نفايات نووية تصدر عن هذا المفاعل، ما يوفّر كمية كبيرة من تلك النفايات المشعّة التي يصعب التخلّص منها وتتطلب آليات متخصصة لجهة التوضيب والتخزين على عمق مئات الأمتار تحت سطح الأرض. كما تعني في الوقت نفسه أنه يحتاج إلى وقود نووي أقل بكثير من المفاعلات العادية لأنه ينتج جزءاً من وقوده بنفسه من خلال بقاياه. تسمّى هذه الآلية الدورة النووية المغلقة كونها تستخدم منتوجها كمادة أوليّة من جديد.


دخل هذا النوع من
المفاعلات مرحلة التجريب
وسوف يكتمل عام 2020

تكمن الفكرة الأساسية في هذا التصميم في تزويد المفاعل بمواد نووية مخصّبة وإدارة عملية الانشطار النووي فيها عبر نيوترونات ذات طاقة مرتفعة أو سرعة عالية، وتزويد المفاعل نفسه بمواد نووية أخرى غير مخصبة أيضاً. عند تفاعل النيوترونات السريعة مع المواد المخصبة، يؤدي الانشطار إلى ظهور نيوترونات جديدة، وعادة ما يكون عدد النيوترونات المنتجة أكبر من تلك المستعملة. وبالتالي، يمكن استعمالها من أجل التفاعل مع المواد النووية الأخرى غير المخصّبة (أو نفايات نووية من مفاعلات أخرى)، ما يؤدي إلى تخصيبها أو تحويلها إلى مواد جاهزة للانشطار العفوي. بهذه العملية، ينتج المفاعل مواد نووية جاهزة للاستخدام أكثر مما يستهلك. لذلك، يمكن نظرياً لهذا المفاعل أن يغذي نفسه بنفسه، أو أن يغذي مفاعلات أخرى عاملة بالنيوترونات البطيئة في سياق إنتاجه للطاقة. ورغم بساطة الفكرة وجماليتها وكفاءتها، ظل هناك العديد من العوائق أمام هذا المفاعل، ومنها كلفته الأوليّة العالية وأيضاً تفاصيل تقنيّة مرتبطة بالتبريد والسيطرة والأمان.

التقنيات العمليّة

هذا النوع من المفاعلات موجود بشكل تجريبي في عدد محدود من الدول حول العالم، وقد استثمر علماء الطاقة الروس جهوداً استثنائيّةً لتطويره وتخطي العوائق التقنية وحققوا في ذلك سبقاً علمياً أخيراً وهو يتحوّل اليوم ليصبح محور الطاقة النووية المدنية في روسيا خلال العقدين المقبلين. خلال الفترة الماضية، تمكّن هؤلاء المهندسون من تصنيع فرنٍ نووي خاص لتحضير كريّات من نيترات اليورانيوم (غير المخصّب) والبلوتونيوم الجاهز للانشطار، والتي تصلح كوقود فعليّ لهذه المفاعلات العاملة على الدورة النوويّة المغلقة، والتي تستعمل معدن الرصاص كمادة لتبريد المفاعل. أما مسألة تبريد المفاعل من داخله فهي ذات أهميّة كبيرة للسيطرة على سرعة التفاعلات النووية ومنعها من التحول إلى انفجار سريع، كما قد يحدث عادةً في الحوادث النووية وكما حصل سابقاً في تشيرنوبيل وفوكوشيما. وأهميّة استعمال الرصاص تكمن في أنّه مادة تحمي نفسها بنفسها من الإشعاعات الصادرة وتحديداً أشعة «غاما»، إذ يعتبر الرصاص من أكثر المعادن المقاومة للإشعاعات. ومن الخصائص الفيزيائية لهذا المعدن أن درجة حرارة غليانه مرتفعة جداً، ما يقيه فعلياً، وبدرجة عاليةٍ من الثقة، من الوصول إلى تلك الحالة الحرجة التي تتبخّر فيها مادة التبريد في قلب المفاعلات لتخلق ضغطاً شديد الانفجار. وبعكس ما يمكن أن يحصل في المفاعلات النووية المبرّدة بالماء أو بالصوديوم السائل والتي يمكن أن تنفجر نواتها من شدة الضغط في حال تبخّرها، يعتبر التبريد بالرصاص أكثر أماناً بأشواط بعيدة، وهذه خاصية مهمة جدّاً وخاصة في المفاعلات العاملة على النيوترونات السريعة. المسألة الأخيرة هي تلك المرتبطة بالتسرب النووي، إذ إن الرصاص أقلّ تفاعلاً مع محيطه وخاصة مع الماء والهواء، ما يخفض من آثار أي حادث ويسهّل السيطرة على التسرّب.
دخل هذا النوع من المفاعلات مرحلة التجريب بعد اكتمال الدراسات النظريّة حوله، وسوف يكتمل عمله عام 2020، وسيكون المفاعل الأوّل صغيراً ويستخدم للاختبارات العلمية وتوليد محدود للطاقة وللنظائر الطبيّة المشعّة ليدخل بعدها مرحلة الإنتاج التجاري كي يتحوّل تدريجيّاً إلى مصدر رئيسيّ للطاقة النووية وليشكّل منافساً حقيقياً للمفاعلات النووية الحرارية السائدة، والمنتجة لكميّات كبيرة وقذرة من النفايات النووية التي تتطلب الكثير من الجهود والتكاليف والإجراءات للتخلّص منها.