في أيلول عام 2015، عمد عدد من الشبان الناشطين الى نزع الأسلاك الشائكة التي تُسيّج الدالية ــ الروشة، للتأكيد على الملكية العامة للشاطئ اللبناني ورفضاً لخصخصته واحتكاره.


تقول الناشطة في "الحملة الأهلية للدفاع عن دالية الروشة" والناشطة في "ائتلاف الشاطئ اللبناني" عبير سقسوق إنه عقب هذه الحادثة، وردتنا اتصالات كثيرة من ناشطين في مختلف المناطق اللبنانية يقولون إن الشواطئ في مناطقهم تتعرّض لعملية "الاستيلاء" نفسها، معبّرين عن غضبهم من سلبهم الحق في التمتّع بملكهم العام.
هذه التعديات على المواقع الساحلية، والتي تشمل مختلف المناطق اللبنانية، فرضت، بحسب الائتلاف، واقعاً أفضى إلى التعاطي مع كل موقع "كحالة منفردة أو كقضية على حدة"، في حين ان هذه الانتهاكات هي حالة واحدة أنتجتها المحاصصات السياسية والطائفية التي أسّستها نهاية الحرب الأهلية. من هنا تركز سقسوق على أن العمل سيكون "لامركزياً" يشمل مختلف المناطق، وهو ليس محصوراً بشاطئ دون غيره.
يرى المنضوون تحت "الائتلاف" الذي أطلق السبت الماضي، عند المسبح الشعبي للرملة البيضا، أن الدولة لم تتعاطَ يوماً مع ملف التعديات على الملك العام من باب الحق العام أو الحق في التمتع بالمواقع الطبيعية أو حماية البيئة الساحلية، "بل من منظور أحادي يتعلّق بضمان ربحية المرافق السياحية لفترة تضمن جدوى الاستثمار".
في الواقع، لم يتغيّر أسلوب "تعاطي" الدولة حتى الآن مع هذا الملف، وما صيغة القانون الرامي إلى "معالجة الإشغال غير القانوني للأملاك العمومية البحرية" إلا دليل على استمرار المنطق الذي يُغلّب مصلحة المستثمرين/المعتدين على مفهوم الحق العام والملك العام.

تعديات غير قابلة للتسوية

بحسب آخر تقرير رسمي أعدّته وزارة الاشغال العامة عام 2012، جرى إحصاء أكثر من 1141 تعدّياً على الاملاك العامّة البحرية، من بينها 73 تعدّياً «مرخّصاً» فقط. وعلى الرغم من أن هذا التقرير لا يتناول ردم البحر والسيطرة عليه في وسط بيروت وضبية والمطار وصيدا وطرابلس، إلا أنه يُظهر أن المعتدين يحتلون اليوم نحو 4 ملايين و900 ألف متر مربع من الشاطئ، تقدّر قيمتها بمليارات الدولارات... ويبيّن هذا التقرير أن 431 تعدّياً لا تنطبق عليها شروط المرسوم التنظيمي رقم 4810 (الذي يتم استعماله للترخيص بالاشغالات المؤقتة)، وتشمل هذه التعديات مساحة مليون و276 ألفاً و523 متراً مربعاً من ردم البحر، و288 ألفاً و140 متراً مربعاً من المسطح المائي، و96 ألفاً و502 من الإنشاءات. كذلك يوجد 530 تعدّياً لا يمتلك مرتكبوها أيّ أملاك خاصة متاخمة للشاطئ المعتدى عليه، وتشمل نحو 602 ألف و487 متراً مربعاً من الردم، و12 ألفاً و260 متراً مربعاً من المسطح المائي، و157 ألفاً و411 متراً مربعاً من الإنشاءات.

وقف التعدّي المنهجي

يُشكل موضوع التعدي على الاملاك العامة البحرية والمساحات المشتركة الموازية للشاطئ محوراً أساسياً من المحاور الثلاثة التي يعمل عليها "الائتلاف" الوليد، الذي يجد أن وقف التعدي المنهجي وإنقاذ ما تبقى من الشاطئ يتطلبان تنفيذ عدد من الإجراءات.
يضع الائتلاف في هذا الصدد ما يُشبه "رؤية" تتضمن عدة بنود: "تنفيذ‭ ‬الخطة‭ ‬الشاملة‭ ‬لترتيب‭ ‬الأراضي‭ ‬اللبنانية‭ ،‬التزام‭ ‬البلديات‭ ‬والمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للتنظيم‭ ‬المدني‭ ‬بها‭ ‬عند‭ ‬إصدار‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬أيّ‭ ‬تصميم‭ ‬توجيهي‭ ‬للمناطق‭ ‬الساحلية‭ ‬والأراضي‭ ‬الموازية‭ ‬للشاطئ‬، وقف‭ ‬منح‭ ‬الاستثناءات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزارة‭ ‬الأشغال‭ ‬العامة‭ ‬والنقل‭ ‬لإشغال‭ ‬الأملاك‭ ‬العامة‭ ‬البحرية‬، فرض‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬الأملاك‭ ‬العامة‭ ‬البحرية‭ ‬وفق‭ ‬المناطق،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬عن‭ ‬25‭ ‬متراً،‭ ‬وإنشاء‭ ‬ممر‭ ‬رملي‭ ‬للمشاة‭ ‬بعرض‭ ‬ستة‭ ‬أمتار،‬ وأخيراً الطعن‭ ‬في المراسيم‭ ‬الصادرة‭ ‬لإشغال‭ ‬الأملاك‭ ‬العامة‭ ‬البحرية‭ ‬والتصاميم‭ ‬التوجيهية‭ ‬التي‭ ‬تغيّر‭ ‬تصنيف‭ ‬الأراضي‭ ‬الساحلية‬". أمّا المحوران المتبقيان اللذان سيعمل عليهما الائتلاف فهما: الاول يتعلّق بالقيمة البيئية والضرر الجسيم الذي يطال الشواطئ، والثاني يتعلّق بقضايا‭ ‬المعنيين‭ ‬بالصيد‭‭.

آلية عمل «الائتلاف»

يسعى الائتلاف الى العمل على المحاور المذكورة عبر وضع مهمات "عريضة"؛ من ضمنها مثلاً، على صعيد الضرر البيئي، العمل على تحديد المواقع المهمة التي يجب الحفاظ عليها وإجراء مسح ميداني للمواقع الملوثة وتحديد أنواع المخاطر والتشوهات الناتجة منها وتأثيراتها السلبية على السكان والبيئة. أما قضايا المعنيين بالصيد، فيهدف الائتلاف في هذا الصدد الى إشراك الصيادين في قضية الشاطئ باعتبارهم الأكثر تضرراً من غيرهم. يَعِد الائتلاف بالعمل على استمرار مهنة الصيد عبر السعي الى تطبيق قوانين وزارة الزراعة مثلاً وخلق مشاريع جديدة ‬استثمارية‭ ‬تسند‭ ‬عوائل‭ ‬الصيادين، فضلاً عن إدخالهم في شبكة الضمان الصحي .


وزارة الأشغال العامة
أحصت 1141 تعدّياً على
الأملاك العامّة البحرية

بحسب سقسوق، يسعى الائتلاف الى إعطاء طابع دائم للنضالات المتعددة لحماية الشاطئ ووضع إطار ‬مرجعي‭ ‬لها‭ ‬جميعها،‭ ‬يقوّيها‭ ‬ويحصّنها‭ ‬ويقدم‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬معرفة‭ ‬ومشورة‭ ‬وفريقاً‭ ‬قانونياً‭ ‬ومحامين‭ ‬وخطاً‭ ‬ساخناً‭ ‬وفريقاً‭ ‬إعلامياً‭.
س‬يعمل‭ ‬الائتلاف‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬عدة،‭ ‬أبرزها:‬‬‭ ‬توثيق‭ ‬الأنظمة‭ ‬الراعية‭ ‬لكل‭ ‬منطقة‭ ‬والمراسيم‭ ‬الاستثنائية‭ ‬الصادرة‭ ‬ورصد‭ ‬التعديات‭ ‬وحالات‭ ‬التلوّث‭ ‬فيه‬، ‬تكريس‭ ‬الحق‭ ‬بالشاطئ‭ ‬وحماية‭ ‬مصالح‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬الخصخصة‭ ‬على‭ ‬تنوّعها‭ ‬وخصوصياتها‬،‭ ‬تطوير‭ ‬روئ‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬بديلة‭ ‬تهدف‭ ‬الى‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الشاطئ‭ ‬والتوفيق‭ ‬بين‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والحقوق‭ ‬البيئية‭ ‬ودعم‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬المحلية‬.
بحسب المعنيين في الائتلاف، فإن إطلاقه ليس إلّا الخطوة الأولى لمسار طويل يهدف الى بناء إطار جامع ودائم لحماية الشاطئ اللبناني على قاعدة المقاربة الاستراتيجية له، المتضافرة مع جهود المهن والمراكز والهيئات المتنوعة المرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر. هل لدى الائتلاف أمل في تحقيق هدفه في حماية الشاطئ في ظل الواقع القائم؟ تقول سقسوق إن الرهان حالياً هو على تضافر جهود منظمات الائتلاف من أجل هدف طويل الأمد. رهاننا على "النفس الطويل".




ممّا يتكوّن الائتلاف؟

هو ائتلاف من مجموعات وأفراد من مناطق متنوعة من لبنان تضم حتى الآن: الحملة‭ ‬الأهلية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬دالية‭ ‬الروشة، الجمعية‭ ‬التعاونية‭ ‬لصيادي‭ ‬ميناء‭ ‬جل‭ ‬البحر، تعاونية‭ ‬صيادي‭ ‬عين‭ ‬المريسة، تعاونية‭ ‬صيادي‭ ‬ميناء‭ ‬الجناح، بيروت‭ ‬مدينتي، المفكرة‭ ‬القانونية، جمعية‭ ‬الخط‭ ‬الأخضر، جمعية‭ ‬نحن، حملة‭ ‬الأزرق‭ ‬الكبير، مجموعة‭ ‬سبّاحي‭ ‬الدالية، مجموعة‭ ‬حماة‭ ‬مياه‭ ‬لبنان، نقابة‭ ‬صيادي‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬الشمال، الجمعية‭ ‬التعاونية‭ ‬الشمالية‭ ‬لصيادي‭ ‬الأسماك، الحملة‭ ‬المدنية‭ ‬لحماية‭ ‬شاطئ‭ ‬الميناء، حملة‭ ‬بحرُنا‭ ‬برّنا‭ ‬في‭ ‬طرابلس، ثورة‭ ‬الملح‭ ‬في‭ ‬أنفة‭،‬ حملة‭ ‬أنقذوا‭ ‬شاطئ‭ ‬كفر‭ ‬عبيدا، مجموعة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬جبيل، الجنوبيون‭ ‬الخضر، نقابة‭ ‬صيادي‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬صيدا، مبادرة‭ ‬للمدينة‭ ،‬جمعية‭ ‬أصدقاء‭ ‬زيرة‭ ‬وشاطئ، لجنة شجر وبشر، التجمع الديمقراطي العلماني.