يكشف إعلان الجيش الاسرائيلي عن وضع الحجر الاساس لبناء منشأة لتدريب جنوده، تحاكي اقتحام «قرية لبنانية كبيرة» استعداداً لأي مواجهة مستقبلية مع حزب الله، عن بعدين أساسيين، أحدهما مهني يتصل بتطوير كفاءات جنوده لمواكبة تطور الكفاءات القتالية لمقاتلي حزب الله، وأيضاً نتيجة تسليمه بعجز سلاح الجو عن حسم المعركة، وآخر دعائي ينطوي على توجيه رسالة طمأنة للداخل، واستعراضية تجاه حزب الله.


من الواضح أن جيش العدو، ومن ورائه قيادته السياسية، معنيان بالتذكير الدائم بأنه يواصل الجاهزية لأي مواجهة محتملة. وهو إعلان موجّه باتجاهين داخلي وخارجي.
بالنسبة إلى الداخل، يهدف بيان الجيش الى توجيه رسالة طمأنة لجمهوره بأن الجيش يواصل الاستعداد لمواجهة التهديد الأشد على كيانه في هذه المرحلة التاريخية، المتمثل في قدرات حزب الله القتالية والصاروخية.
في مواجهة الخارج، يريد العدو أيضاً توجيه رسالة لحزب الله بأن خياراته ليست دفاعية فقط، عبر الاستعداد لمواجهة توغل مقاتليه الى العمق الاسرائيلي رداً على أي عدوان ينفذه ضد لبنان وحزب الله، بل أيضاً يستعد لاقتحام القرى اللبنانية. ويهدف العدو أيضاً الى تبديد الصورة التي لصقت بقيادته وبجنوده بأنه يحرص على تجنّب المواجهة المباشرة والامتناع عن أي خيار بري.
لكن المفارقة أن كل ما يمكن أن يقال سبق أن قيل، وبلغت إسرائيل مرحلة الذروة في تظهير قدراتها العسكرية والتكنولوجية المتطورة، وهو أمر لا ينكره أحد عليها، لكنها بعدما استنفدت هذا المسار، بدأنا نلاحظ ظاهرة "اجترار" الاعلانات، وأحياناً تطويرها بقدر.
وفي ما يتعلق بمنشأة التدريب الجديدة، فقد سبق في مراحل سابقة أن تم الاعلان عن أن الجيش الاسرائيلي يتدرب على سيناريو اقتحام قرى لبنانية... لكن هذه المرة يجري الحديث عن منشأة تدريب مع محاولة إضافة محدودة، بالقول إنها "منشأة هي الأولى من بين عدة قواعد تسهم في إعداد قوات الجيش للحرب والقتال في بيئة سكنية وداخل الأحياء المكتظة... دخول قوات مدرعة واستخدام دبابات في القرية... إضافة إلى تدريب باستخدام الرصاص الحي والأسلحة الثقيلة أيضاً".
مع ذلك، أن يعلن جيش العدو بعد مضيّ أكثر من عقد عن بناء منشأة كهذه، تصبح جاهزة العام المقبل، لتدريب قواته البرية على مواجهة مقاتلي حزب الله خلال اقتحام إحدى القرى، هو خيار مفهوم بالمعايير المهنية، لكنه أيضاً يأتي نتيجة تقديرات المؤسسة العسكرية لتطور الكفاءات القتالية لمقاتلي حزب الله، على خلفية مشاركته في القتال ضد الجماعات الارهابية والتكفيرية في سوريا... وبات هذا المفهوم حاضراً على ألسنة الخبراء والمعلقين الاسرائيليين، من ضمنهم رئيس مجلس الامن القومي الاسرائيلي الأسبق، اللواء يعقوب عميدرور، الذي سبق أن حذّر من أن حزب الله بات "بعد القتال في سوريا، جوزة من الصعب جداً كسرها»، موضحاً ذلك بالقول إنه «نشأ جيل من القادة العسكريين الذين يخوضون قتالاً قاسياً، أكسب حزب الله ما كان يحتاج اليه كي يتحول الى قدرة أفضل بكثير»، ومشدداً على أن إسرائيل «لم يسبق أن واجهت مطلقاً تنظيماً يملك خبرة قتالية كالتي يملكها حزب الله بعد تدخّله في سوريا»، (جريدة الأخبار ــ العدد ٢٧٣٠، الاثنين ٢ تشرين الثاني ٢٠١٥).


العدو يدرّب جنوده لمواكبة الكفاءات القتالية لمقاتلي حزب الله

هذه الحقيقة التي تتوالى المعطيات والمؤشرات على تغلغلها في أوساط الجهات المهنية، تفسّر مساعي جيش العدو لتطوير كفاءات جنوده على المواجهة المباشرة مع حزب الله. ويشير بيان الجيش، بعد كل المراحل التي مرّ بها جيش العدو على مستوى التدريب والجاهزية، ومن "بناء منشأة خاصة، "سنير"، ضمن برنامج 'أفيف' المتعدد السنوات، الذي يمر به سلاح البر، إلى تغيير مهم في جهاز التدريبات.
مع ذلك، يكشف بيان الجيش الذي تحدث عن أن المنشأة تحاكي قرية لبنانية كبيرة، توجد فيها قيادات، وإدارة وسيطرة... يتم منها إطلاق الصواريخ"، عن أن الفرضية التي يعمل وفقها الجيش، بأن اقتحام كل قرية قد يتحول الى معركة قائمة بذاتها، توجد فيها كل عناصر إدارة المعركة والوسائل القتالية... هي أمر له تداعياته الكابحة على مستوى صناعة قرار الحرب في تل أبيب.
ومن جهة أخرى، يحاول العدو بناء مشروعية لاستهداف كل المنشآت المدنية عبر الترويج لذرائع أنها تشكل مصادر نيران، متجاهلاً حقيقة أنه يشنّ عدواناً باقتحام قرية لبنانية.
وأيضاً، مرة أخرى، تثبت تدريبات جيش العدو تسليمه بحقيقة لم يسلم بها إلا بعدما اكتشف بالتجربة العملية خلال حرب عام 2006، وما تلاها من اعتداءات واسعة ضد قطاع غزة، أن سلاح الجو والنيران عن بعد غير قادرين على وقف إطلاق الصواريخ وحسم المعركة، الأمر الذي قد يفرض عليه اللجوء الى الخيار البري، وهو ما سيتحول الى فرصة لحزب الله لاستهداف جنود العدو عبر الالتحام المباشر.