«إن السياسة هي اقتصاد مكثف»

فلاديمير لينين

في كتاب «ما بعد بيكيتي»، الصادر أخيراً، يتناول بول كروغمان في مقاله حول «العصر المذهب الجديد» كيف أن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة أصبح «حزب الرأسمال».

توصيف كهذا من «كينزي» أميركي، وليس «ماركسياً»، يرينا كم أن الانقسام الطبقي أصبح محدّداً للسياسة حتى في الولايات المتحدة الأميركية. فعلى الرغم من قناع العنصرية والقومية والشوفينية لإدارة ترامب، إلا أنها فعلياً تمثّل الرأسمال الأميركي في حربه المضادة داخلياً وعالمياً. ومن هنا نستطيع أن نرى أن مجيئه إلى الرياض جزء من حرب الرأسمال هذا، الذي يعمل على إعادة تموضع الرأسمال القومي الأميركي عبر العسكريتاريا الأميركية في الشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي وأوروبا الشرقية، لا لهدف إلا لإنهاء المشروع الصيني الصاعد، المعتمد على العولمة ذات الوجه الإنساني وعلى التجارة الحرة وطريق الحرير الجديد والتنمية الاقتصادية والاستثمارات عبر القومية الضرورية والمرافقة لهذه التنمية.
هذا المشروع الصيني الكبير أكثر ما يهدّده هو تزايد التوتر العالمي. وهكذا يجب أن نرى القمة العربية الإسلامية الأميركية الأخيرة كإحياء، ولو بشكل موسّع في العدد وهزيل في البنية، لحلف السنتو البائد، وليس استكمالاً لمشاريع سابقة أو فقط أن نحصره في إطار الصراع الدائر في الشرق الأوسط اليوم. ولكن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح نفسه بعد القمة التي أتت بعد ست سنوات على الربيع العربي هو: ماذا يحدث داخل العالم العربي اليوم؟
إن تلك الانتفاضات المتزامنة التي عمت العديد من البلدان العربية، والتي أعلنت نهاية عصر وبداية عصر آخر، لا يمكن فقط أن تحصر ديناميكياتها بدفع القوى الإقليمية أو أن تحصر في إطار موجة اللبرلة السياسية. الكثيرون اعتقدوا أن هاتين النهاية والبداية ستسيران «خطياً»، أي أن ننتقل بسرعة إلى الديمقراطية والليبرالية في مسار تفائلي مستقى من فلسفة فوكوياما. ولكن في نفس الوقت وفي المقلب الآخر كتب الكثيرون حول هذا الموضوع، بعضه تفوح منه روائح «المؤامرة»، وكأن ما حصل كان مبرمجاً له أن يحصل منذ خطاب الرئيس الأميركي أوباما في القاهرة 2009، والذي اعتبر الإعلان الأميركي بقرب ساعة الصفر وتهيئة الأرضية لحكم الإخوان المسلمين في «عالم ما بعد الربيع» وإعادة مجد السلطة العثمانية (على الرغم من عدم تطرقه لأيّ أمر من هذه الأمور لا من بعيد ولا من قريب)، وإلى ما هنالك من خيال ضحل لا يرى في تاريخ وصراعات العالم إلا نماذج مختلفة من «بروتوكولات حكماء صهيون» (والتي بالمناسبة استعملت ضد الثورة البلشفية في روسيا) وآخرها نماذج ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» وهي جامدة في التاريخ لا تنتهي ولا تتبدل.
لكن الواقع كان مختلفاً، فلم يكن الربيع العربي مخططاً تقسيمياً يتم تنفيذه ولا مشروعاً لليبرالية والديمقراطية ولا جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد، بل إن جذوره كانت تعتمل وتكمن في الاقتصاد السياسي العربي، معلنة نهاية النموذج الاقتصادي العربي الجديد الذي أنشئ في أزمنة «الانفتاح» وحاول مزاوجة النيوليبرالية مع إرث الدولة التنموية في البلدان «الاشتراكية العربية السابقة»، فاندلعت الانتفاضات في سوريا، اليمن، مصر، تونس، ليبيا، والبحرين، ما عدا العراق الذي كان أصلاً في حالة عنف وتفكك مستمر، والجزائر التي أنقذتها فورة النفط والذكريات القريبة للحرب الأهلية في التسعينيات التي كانت ربما البروفة الأولى لما أتى لاحقاً من حروب. فهذه الدول بعد أن بنت طبقة متوسطة خلال فترة الستينيات وحولت النموذج الاقتصادي لصالح هذ الطبقة، مستخدمة مزيجاً من الاعتماد على الموارد الطبيعية والدعم السوفياتي الخارجي، دخلت في أزمتها الأولى في السبعينيات عندما تبين أن السخاء الاجتماعي للدولة في التعليم والصحة والتوظيف والإنفاق العسكري لم يعد يستطيع أن يتحمله «الاقتصاد الاشتراكي للطبقة المتوسطة»، إذ أنفقت هذه الدول أكثر الفائض على الاستهلاك العام والخاص بدلاً من تراكم رأس المال.


10% في العالم العربي يسيطرون على 60% من الدخل
وهكذا لم تعد هذه الدول قادرة على متابعة مسيرتها «الاشتراكية» فكان التراجع متتالياً من تونس إلى مصر إلى الجزائر إلى سوريا، وذلك إلى فضاءات بدرجات متعدّدة من الليبرالية الاقتصادية، وبرامج التكيف الهيكلي للبنك الدولي، وصعود طبقات ريعية جديدة متحالفة مع القوى السياسية - العسكرية الحاكمة.
كل هذا التغيّر إلى نموذج عربي جديد أدى إلى تزايد الفروقات الاجتماعية وتمركز الدخل والثروة في أيدي القلة. فقد بيّن الاقتصاديان بيكيتي والفاريدو مؤخراً أن 10% في العالم العربي يسيطرون على 60% من الدخل، وفي هذا الإطار أيضاً يبلغ تمركز الثروة الأعلى في العالم في المنطقة العربية. في نفس الوقت ازدادت البطالة خصوصاً بين الشباب وتحوّل التوظيف من التوظيف في الدولة والمصانع العامة والمؤسسات الكبرى إلى انفلاش العمل غير النظامي الذي وصل إلى 50% من القوى العاملة، وهو العمل المهمش ذو المردود المتدني ومن دون أمان وظيفي أو ضمانات اجتماعية وتقاعدية ومرتع للبطالة المقنعة. لهذا نرى اليوم المدن العربية الكبرى ما هي إلا فضاءات لإعادة تدوير للريف حيث استبدل الفلاحون ذوو الإنتاجية المنخفضة بالبروليتاريا الرثة في المدن. هذا الانفلاش للانظامية في سوق العمل هو الإشارة الكبرى لفشل هذا النموذج الذي خرج من تجارب النيوليبرالية في التسعينيات ولم يسعفه النمو الاقتصادي الذي تحقق في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. فلقد كان هذا العقد خادعاً للطبقات الحاكمة بأن نموذجها يعمل وكان الإطراء كبيراً من الهيئات الاقتصادية الدولية وإحدى دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (undp) في 2010 أعلن عن «معجزة أفريقيا الشمالية» ومن ضمنها تونس التي كانت على شفير الانتفاضة هناك!
هذا هو الإطار الذي حصلت فيه الانتفاضات العربية. بالموازاة كان يحصل في أفريقيا الأمر نفسه. يقول ريتشارد داودن الرئيس السابق لجمعية أفريقيا الملكية البريطانية أنه بعد مجيء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتطبيق سياساتهما في التسعينيات وتفكيك الدولة فيها بذريعة الاقتصاد الحر والاستحواذ على مؤسسات الدولة وأراضيها من قبل القلة عبر «الخصخصة»، اندلعت 26 حرباً أهلية في نهاية التسعينيات. ماذا حصل بعد ذلك؟ توجهت أفريقيا إلى الصين كما ظهرت بوادر دول ناجحة اقتصادية تنموية لا تخضع لإملاءات الصندوق والبنك كإثيوبيا ورواندا وأوغندا.
أما ماذا حصل في العالم العربي؟ بالإضافة إلى الحروب الأهلية والتفكك الدولتي والتدخلات العسكرية الخارجية، لا يزال الاقتصاد العربي يخضع للرأسمال الريعي الذي سيطر تدريجياً بعد الانفتاح. وللمفارقة تخضع دول عديدة كمصر وتونس والأردن لبرامج صندوق النقد الدولي، والتي يمكن اعتبارها «قادمة من الصقيع»، وكأنها البلدان الأخيرة في العالم التي تخضع لوصفات الصندوق القديمة البالية. وبدلاً من أن تأتي الحكومات الجديدة وغيرها بعد الربيع العربي بسياسات إعادة التوزيع وكسر علاقة الرأسمال الريعي بالسلطة ومراكز الاحتكار في الاقتصاد والإنفاق الحكومي على إعادة البناء الاقتصادي، تحولت السياسة الاقتصادية أكثر وأكثر نحو التقشف وفرض الضرائب التراجعية كالـ VAT ورفع الدعم عن السلع الأساسية وتجميد الأجور. كل هذا في إطار انعدام السياسات الاقتصادية المنتجة للوظائف ولقيام اقتصادات عصرية تستطيع أن تنقل العالم العربي إلى مرحلة تنموية جديدة كما ذكرنا يحدث في بعض دول أفريقيا الآن.
هنا المفصل الأساسي ومن هنا ستأتي ثورات عربية جديدة آتية من خضم صراع طبقي يضع الطبقات العاملة والمتوسطة مرة أخرى في مواجهة التشكيلات السياسية الجديدة في مصر وتونس أساساً لربما لتعلن وتؤشر لباقي العالم العربي، الغارق في الحروب المذهبية والمنقسم بين محاور عسكريتارية لا آفاق اقتصادية أو سياسية لها (على عكس ما كانت عليه في زمن الحرب الباردة)، أن هناك طريقاً ثالثاً أساسه اقتصادي سياسي يؤشر لتحرر حقيقي للشعوب العربية. والرد على السياسة الأميركية الجديدة لا يكون بتعزيز المحاور بل بالصراع الطبقي وطنياً وقومياً من أجل مجتمع عربي حديد.