نظّم وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري، أمس، جولة إعلامية ميدانية للاطلاع على أوضاع بعض المحال التجارية. الجولة التي انطلقت من أمام الوزارة في وسط بيروت عند قرابة الحادية عشرة صباحاً، لم تدم أكثر من ساعة جال خلالها الوزير على نحو 7 محال تجارية لبيع الخضار فقط، جميعها كانت أقرب إلى "بسطات" خضار تُشبه المنطقة وطريقة عيشها: متواضعة وبسيطة.


الجولة كانت "إعلامية" بامتياز، ظهر فيها الوزير وهو "يُباغت" أصحاب المحال ويسألهم عن الأسعار وعن تعليمات الوزارة يرافقه عدد من الإعلاميين الذين اكتفوا بتصوير الوزير. هذا الأداء "الاستعراضي" ذهب "ضحيته" أحد أصحاب محلات الخضار الذي سُجّل بحقه ضبط لأنه لم يلتزم بتعليمات الوزارة. أمّا مخالفته فهي أنه لم يضع لوائح الأسعار على المنتوجات التي يبيعها!
"سنضطّر إلى تسطير ضبط بحقك". خاطب الوزير بائع الخضار الذي راح يسأل الوزير: "من وين بدي جبلك حق الضبط؟"، لافتاً إلى أنه "لم يكن على علم بضرورة وضع لائحة على الأسعار".
أمام أعين الكاميرات، سجّلت موظفة وزارة الاقتصاد الضبط بحق البائع الذي لم ينفك يحلف أنه لم "يرَ الموظفة والمراقبين من قبل، وبالتالي لم يكن على دراية بوضع لوائح الأسعار على الخضار".
البائع الذي تفاجأ بالوزير وبالكاميرات وهي "تغزو" محله، أخذ يستجدي الموظفة كي تُلغي الضبط، مُتسائلاً: "شو كاين أنا سوبر ماركت؟ لحط الأسعار".
وهنا سؤال يُطرح للوزير، لماذا لم يقم بزيارة إلى السوبرماركت والمجمعات التجارية "الضخمة"؟ واختار السوق الشعبية في طريق الجديدة لمكافحة رفع الأسعار؟
بحسب نعمة، "إن الأسواق الشعبية هي الأسواق الأقل احتكاراً، وغالباً ما تكون فيها الأسعار أدنى من أسعار بقية المحال"، مُشيرة إلى أن الجمعية غالباً ما تنصح المُستهلكين بزيارة الأسواق الشعبية لشراء أغراضهم. ترى نعمة، أنه ليس من مسؤولية الوزير أن يقوم بجولات مماثلة، "هي مهمة المراقبين الذين لا يقومون بعملهم ولا يجرون مسوحاتهم الميدانية لمكافحة الاستغلال الذي يمارسه التجار".


مهمة الوزير وضع خطط استراتيجية لمكافحة الاحتكار وليس القيام بجولات إعلامية

بحسب نعمة، على الوزير أن يقوم بوضع استراتيجيات لمنع الاحتكار، وهو ما يتطلّب تغيير الرؤية الاقتصادية القائمة أساساً على رعاية الاحتكار. يقول المعنيون في جمعية حماية المُستهلك إن فئة المحتكرين والمُستفيدين من رفع الأسعار هي "فئة محمية ومعروفة ولها نفوذها"، لافتين إلى أن ارتفاع أسعار الخضار "ليس سببها المزارعين وصغار التجار، المسؤولون هم أناس معروفون جداً".
من جهتها، تقول مديرة عام الاقتصاد والتجارة عليا عباس في اتصال مع "الأخبار" إن عدد المراقبين في الوزارة لا يتجاوز المئة مراقب، مُشيرة إلى أن الوزارة "وقبل شهر رمضان كانت تعمد إلى تسطير محاضر ضبط، مُشيرة إلى أن "لا عدد لافتاً للمحاضر ولا يمكن القول بأن هناك ظاهرة لرفع الأسعار".
وفي ما خصّ أسعار الخضار واللحوم، وبحسب "حماية المستهلك"، فإن أسعار مُقطّعات الدجاج والخضار الورقية ارتفعت خلال الثلاثة أيام الأولى من الشهر، لتنخفض أسعار الخضار فيما بعد وتبقى أسعار مُقطّعات الدجاج مرتفعة.
اللافت هو ما تُشير إليه نعمة، وهو أن التجار عمدوا قبل بداية الشهر إلى رفع أسعار منتوجاتهم وأبقوا على ارتفاعها بشكل يُظهر بأن الأسعار لم ترتفع مع بداية شهر رمضان.
بالنسبة إلى أسعار اللحوم والأسماك، فهي لم ترتفع بحسب مسوحات الجمعية، ولعلّ ما ساهم في عدم ارتفاع الأسعار هو "عدم تهافت الناس إلى الشراء آخر الشهر كما كان يحصل سابقاً، ويدفع تالياً التجار إلى رفع الأسعار"، وتنصح الجمعية في هذا الصدد بعدم شراء الأغراض دفعة واحدة، بل تقسيمها على دفعات.
تطرح نعمة سؤالاً حول ما إذا وضع الوزير خطة لضبط تسعير التجار وتحديد هامش الربح، لافتة إلى أن بعض التجار لا يعرف أن يحدد هامش ربحه، مُتسائلة عن عدد المحاضر التي تُسجّل في هذا الإطار.
في الواقع، لم يُسأل الوزير عن خطته الاستراتيجية لمكافحة الاحتكار ولا عن رؤيته الاقتصادية ولا عن مساعيه لتحديد هامش الربح للتجار. ربما لأن الجولة لم تكن للأسئلة وكانت الأولوية للـ "استعراض".
مشهد الوزير المتنقل بين شوارع طريق الجديدة كان مفاجئاً للمارة الذين لم يعتادوا "التفاتة" من أحد المسؤولين، وفق ما همست إحدى قاطنات المنطقة. الجميع بدأ يسأل عن سبب "هجمة" الكاميرات وزيارة الوزير. قيل لهم إن الأخير يريد مراقبة أسعار الخضار في ظل شهر رمضان، ردّ أحدهم مُستهزئاً: "يشغلونا ونحنا قبلانين بالأسعار".