مَن قال إنّ المرأة التي توفّيت نتيجة عمليّة «تجميليّة» (شفط دهون) أخيراً، في لبنان، هي أوّل امرأة تموت في هذا «القطاع» الرهيب؟ تلعب «الصدفة» دورها بخروج هذه الحادثة إلى العلن، وتداولها إعلاميّاً، بعد مدّة وجيزة مِن انتشار فيديو «الفضيحة» (نفخ صدر ومؤخّرة) للطبيب نفسه، مع ما أعقبه مِن «ضجيج أخلاقي».


ليست قضيّتنا الآن. الظاهرة عالميّة، استهلاكيّة، وإن كانت تظهر بنحو أكثر ابتذالاً في بلادنا. مَن الذي روّج لهذا الطبيب التجميلي، أو ذاك، على وسائل الإعلام؟ الجميع الآن يغسلون أيديهم مِن الجريمة. مَن الذي أسهم في تنميط شكل المرأة، الخارجي والداخلي، وفق ما يُريده باعة الجمال السليكوني، وأخواته، وخلفهم طابور طويل جدّاً مِن المستفيدين؟ أين جمعيّات «حقوق المرأة» ومنظّماتها مِن هذا العنف الأقسى؟ أليس عنفاً؟ لن تجد الناشطات والناشطون، في حقل النسويّات الجديدة، يُحاضرون في هذا الشأن. العنف عندهم لا يأخذ، غالباً، إلا شكل الصفع واللكم والركل. لماذا؟ لأنّهم، إناثاً وذكوراً، هم أنفسهم ضحايا هذه الموجة. هم أنفسهم يُمارسون التجميل المبتذل، كتجارة في اللحم، أو، بالحد الأدنى، لا يرونه شيئاً يستدعي التوقّف عنده.


سؤال «كيف
تقطفين عريساً»
ليس عابراً

يُحكى عن ناشطة نسويّة كانت تملأ فضاءها بالضجيج الحقوقي، ولكن، لاحقاً، عندما شعرت بأنّ قطار العمر سيفوتها، هرعت إلى الزواج مِن ذكر (قح) مبتعدة عن ساحة «نضالها»... بطلب مِنه. لم تخرج مِن ثقافتها الأولى. كانت، طوال فترة الضجيج، تعيش دوراً زائفاً. هي نفسها لم تكن تفهم نفسها. المرأة تتعلم أنها إذا لم تتزوّج تُصبح ناقصة، هذا في بلادنا، وفي بلاد أخرى أيضاً. الهرب مِن وصمة «العنوسة» يدفعها كي تشفط وتنفخ، وتتحوّل، وكلّه مِن أجل أن تُعجِب أحدهم... فيطلبها. حتماً، ليس هذا هو سبب رواج مهنة «التجميل» الوحيد، لكن، أيضاً، يبقى سؤال «كيف تقطفين عريساً» غير عابر. الممثلة هند صبري لم تضع مساحيق التجميل، وأدواته، أثناء تأدية بطولة مسلسل «عايزة اتجوّز». كانت تريد أن تجسّد «دور فتاة عاديّة تشبه الغالبيّة العظمى مِن الفتيات في الوطن العربي، ولذلك لم يكن مطلوباً أن أظهر فائقة الجمال، بل كان لا بدّ أن أظهر بشكل بسيط». حسناً، هند لن تتزوّج. كان هذا قبل سبع سنوات. عمّا قريب لن يكون شكل «الفتاة العاديّة» كما كان آنذاك. الكلّ سيدخل الحلبة. مواجهة التقليد الشائع لن تكون مهمّة سهلة. قلّة قليلة مِن البشر لديهم طاقة مخالفة السائد. المسألة نفسيّة.
ذات مرحلة، قبل نحو نصف قرن، ضاق شبّان العالم بالمجتمع الاستهلاكي وبالصورة النمطيّة للبشر... وعموم الأشياء. جاءت «الهيبيز» ردَّ فعل على ذاك الضغط الذي كان يخنق العالم. افترشوا الطرقات ولبسوا الرثّ مِن الثياب، عزفوا وغنّوا وكسروا كلّ القيود، وراحت الموجة تجوب العالم. أصبحت أسلوب عيش وفلسفة حياة. بعضهم، لاحقاً، أصيب بالإحباط. مِنهم مَن اعتزل الجميع، ومِنهم مَن انخرط في «مجتمع مدني» جديد. لم يغيّروا الدنيا، صحيح، وعادت حركة الاستهلاك لتستوعبهم، إلا أنّها كانت صرخة غضب تركت أثرها. عمّا قريب، قد نكون أمام موجة مِن هذا النوع، حركة تكسر النمط، وإن بشكل مختلف وغير متوقّع، لتقول: هذا يكفي. فتاة ليس لديها ما يشغلها في حياتها، وبالتالي يُمكنها أن تعتمد نظاماً غذائيّاً صحيّاً، مع برنامج رياضي، لكنّها لن تفعل ذلك لتنحَف. لا تُريد إلا عمليّة جراحيّة مريحة. الكسل جزء مِن النمط البشري الحديث. الجهد مكروه. الصبر مقزّز. مَن طلب العُلا سهر الليالي، مقولة أصبحت، وستصبح أكثر، مِن الماضي. كلّ شيء جاهز. كلّ شيء معلّب وحاضر للبيع والشراء.
الآن وزير الصحّة في لبنان يتحرّك، يدعو القضاء إلى التحقيق في وفاة تلك المرأة، وكذلك وزير العدل يحرّك النيابة العامة لإجراء التعقبات، ونقابيّاً يُحال الطبيب على التحقيق، فما الذي سيحصل؟ لا شيء. سقفها سيُغلق مركز هنا أو هناك، وليس بعيداً أن يكون للمنافسة التجاريّة علاقة بالأمر، لكنّ حركة «التجميل» القبيحة، القويّة جدّاً، ستستمر. المرأة، بعدما جرى تعليبها ثقافيّاً، ستكون أكثر مَن يُهاجم الساعين إلى عدم انتهاك جسدها. المسؤولون «الكبار» لا يبعد، لو قرّروا الذهاب بعيداً، أن يتعرّضوا للهجوم مِن قبل زوجاتهن أولاً. هناك مجموعات ضغط لهذا «الكار» أقوى مما يتصوّر كثيرون.