بكين | خلال عصر أسرة «هان الغربية» الحاكمة، تلقى القائد العسكري تشانغ تشيان أوامر الأمبراطور الصيني حينذاك، فزار «الغرب» بصفته مبعوثاً امبراطورياً. حصل ذلك مرتين، الأولى سنة 139 قبل الميلاد والثانية سنة 119 قبل الميلاد، وأمر بفتح طريق التجارة الصينية إلى بلدان الغرب، ما سيعرف لاحقا بطريق الحرير. زيارة الموفد قان يينغ إلى الغرب سنة 97 ميلادية تعد بداية التبادل الرسمي بين الصين والعرب. يجمع المؤرخون الصينيون على أن سنة 651 ميلادية، شهدت إرسال (هان مي مو مو ني/ أمير المؤمنين، عثمان بن عفان) أول مبعوث رسمي إسلامي إلى الصين. يخبرك المسؤولون في بكين أن التواصل والتفاعل بين الصين والعالم العربي لم ينقطعا منذ مئات السنين، ومع ذلك تبدو اللغة عائقا جديا في التفاهم بين الجانبين. بعد مرور كل هذا الوقت، لا يزال التفاهم صعبا.


تسأل نفسك، كيف يمكن لطموحات كبيرة أن تقفز خارج «السور العظيم» إن لم تكن تتحدث إلا الصينية في عالم معولم بالإنكليزية. معضلة لا تبدو أن لغة الارقام وحدها قادرة على حلها.

بداية الحكاية

منذ أن أطلق شي جينبينغ خلال زيارته إلى كازاخستان عام 2013 مبادرته الخارجية الطموحة المسماة «البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين»، التي عرفت لاحقا بإسم «حزام واحد وطريق واحد»، باتت هذه المبادرة المحرك الأساس للسياسة الصينية داخليًّا وللدبلوماسية الصينية خارجيًّا، تُعقد لأجلها المؤتمرات وتنظم الندوات وتعطى اهتماما إعلامياً لافتاً.
في الأصل، ولدت الفكرة لدى نائب رئيس الهيئة الوطنية العامة للضرائب في الصين، شو شن دا، الذي قدمها كمقترح لوزارة التجارة الصينية بعنوان «خطة مارشال الصينية» كرد على الأزمة المالية والركود الاقتصادي العالمي عام 2008. تقوم الفكرة على استخدام الاحتياطي الاستراتيجي الصيني من العملة لمنح قروض إلى الدول النامية، تستخدم لبناء مشاريع تنفذها شركات صينية في تلك الدول. من هنا تطورت الأفكار والمقترحات والرؤى لتخرج بما بات يعرف بمبادرة «الحزام والطريق».
قبل أيام، شهدت العاصمة الصينية قمة خصصت لتفعيل هذه المبادرة حضرها نحو 28 رئيسًا ونحو 1200 شخصية ممثلين عن نحو 60 منظمة إقليمية ودولية، ومدراء شركات ورواد أعمال وخبراء مال وصحافيون من 110 دول، وهو أكبر عدد من الزعماء الاجانب الذين يقصدون بكين منذ دورة الالعاب الأولمبية التي استضافتها عام 2008.

ماض ومستقبل

تحاول بكين إحياء طريقي الحرير البحري (الحزام) والبري (الطريق) اللذين كانا يربطان الصين بالعالم قبل 3000 عام، ويتم من خلالهما تبادل السلع والمنتجات كالحرير والعطور والبخور والتوابل والعاج والأحجار الكريمة وغيرها، وكذلك تبادل الثقافات والعلوم.
تستند المبادرة، في محاولة لطمأنة جميع المرتابين، على مبادئ وميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الخمسة للتعايش السلمي كالاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وسلامة الأراضي وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمنفعة المتبادلة.
وتتضمن نحو 1000 مشروع تنفذ تدريجيًّا، تسعى إلى ربط دول آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر شبكة مواصلات معقدة من الجسور والطرقات والسكك الحديدية والطائرات والبواخر، وبناء موانئ ومطارات وإنشاء مناطق تجارة حرة، إلى جانب أنابيب النفط والغاز وخطوط الطاقة الكهربائية وشبكات الإنترنت والبنية التحتية.
لاقت المبادرة تجاوبًا ومشاركة نشطة من نحو 70 دولة مطلة على هذا الخط بما فيها دول عربية وشرق أوسطية. يغطي نطاق المبادرة نحو 70 دولة في القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا، وينقسم إلى ثلاثة مستويات:
ــــ المناطق المركزية: تضم كلًّا من الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى الخمس
ــــ المناطق المحاذية: تشمل الدول الأعضاء الدائمين والمراقبين في منظمة تعاون شنغهاي والدول التسع للاتحاد الاقتصادي (الهند، باكستان، إيران، أفغانستان، منغوليا، روسيا البيضاء، أرمينيا، أوكرانيا ومولدافيا).
ــــ المناطق التشعبية: تشمل دول غرب آسيا (الدول العربية) ودول الاتحاد الأوروبي، وتمتد أيضًا إلى اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من دول شرق آسيا.
كما تشمل المبادرة ستة ممرات اقتصادية أساسية تشكِّل أعصاب شبكة التجارة والنقل والتنمية الإقليمية والدولية المقبلة.
حتى اليوم، استثمرت الصين ما يزيد على 50 مليار دولار في البلاد المشاركة في المبادرة، وقامت شركات صينية ببناء 56 منطقة تعاون اقتصادي وتجاري في هذه الدول، وحققت حوالي 1.1 مليار دولار من العائدات الضريبية، ووفرت 180 ألف فرصة عمل محلية.
كما استثمرت الشركات الصينية 2.95 مليار دولار في 43 دولة على طول منطقة الحزام والطريق في الربع الأول من عام 2017 فقط، وبلغت قيمة الصفقات التجارية بين الصين والدول الواقعة على طول الحزام والطريق حوالي 913 مليار دولار في عام 2016، أي أكثر من ربع إجمالي قيمة التجارة الصينية.

الغرب متوجس

تسعى الصين، من خلال هذه المبادرة، إلى تحصين وضعها الجيوستراتيجي، وتعزيز الاستقرار إقليميًّا مع دول الجوار، وعالميًّا مع القوى الكبرى. لكنها حتى الآن لم تنجح في حل الكثير من مشاكلها التي قد تصل إلى حد الأزمات والنزاعات.
الولايات المتحدة الاميركية بقيادة دونالد ترامب اليوم تبدو مستنفرة لمجابهة التنين الاقتصادي الصيني، وهو أمر صرح به الرئيس الأميركي مرارا. حرب لا تقل شراستها عن الحروب العسكرية والامنية التي تشنها أميركا والدول الغربية في مناطق شتى من العالم. تسعى الصين إلى محاولة تغيير نمطية النظام الدولي الحالي، أقله في شقه الاقتصادي. أمر لا يمكن أن تسلم به واشنطن بسهولة، خصوصاً مع تنامي دور القوى الشعبوية والحمائية في الاقتصادات الدولية لا سيما في الولايات المتحدة؛ حيث سيكون من الصعب على الصين إحداث اختراقات لعولمة الاقتصاد وفق رؤيتها الخاصة.


تتضمن المبادرة نحو 1000 مشروع تسعى إلى ربط دول آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر شبكة مواصلات معقدة


كذلك تخشى دول أوروبية عدة أن تزيد المبادرة من حجم الصادرات الصينية إلى دول الاتحاد، ما سيؤدي إلى تفاقم الخلل في عدم تكافؤ الميزان التجاري بين الصين وهذه الدول.

ترقب وتحديات

لم تصدر حتى الآن خارطة رسمية نهائية توضح الدول التي سيمر عبرها كل من الحزام أو الطريق، فقد تُرك الباب مفتوحًا أمام الدول والمنظمات للانضمام والمشاركة في الوقت الذي تراه مناسبًا.
وبرأي العديد من الخبراء المتابعين، تواجه المبادرة تحديات خارجية عدة، وكذلك من داخلها بسبب طبيعة النظام الصيني المغلق اقتصاديًّا والمتحفظ سياسيًّا. ونظرًا لارتباطها الوثيق بالرئيس الصيني الحالي، فإن استمرارها وديمومتها بهذا الزخم وبتسخير كل إمكانات الحزب والدولة لإنجاحها، سيبقى مرهونًا بوجود الرئيس على رأس الهرم السياسي، علما أن مصيرها قد ينتهي بانتهاء ولايته عام 2022.
هل هو حنين إلى الماضي أم إنه طموح غير واقعي؟ علينا أن نراقب هذه الرؤية الصينية الطموحة التي يتشارك فيها نحو 60٪ من سكان العالم وتمتلك ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي، علاوة على أن بوادر المشروع ظهرت بالفعل منذ أن وصل إلى لندن أول قطار بضائع يربط مباشرة الصين بالمملكة المتحدة بداية 2017، بعد رحلة استمرت 18 يوما بلغ طولها 12 ألف كيلومتر.




العرب والمبادرة

يرى الصينيون أن التشارك في بناء «الحزام والطريق» سيضخ قوة دافعة جديدة لتعميق التعاون الصيني ــــ العربي. بالنسبة للدول العربية، هناك مساران مشمولان في طريق الحرير الجديد: خط بري يمر بالعراق، وخط بحري يمر بمضيق باب المندب ويعبر قناة السويس، وهما يشكلان أحد أهم الممرات الاقتصادية الستة لطريق الحرير التي تربط المبادرة بمنتهاها الأوروبي وهو «ممر الصين ــــ آسيا الوسطى ــــ غرب آسيا».
وكان لافتا في القمة الاخيرة ضعف الحضور العربي الذي عزاه البعض إلى تزامنها مع القمة الاميركية الاسلامية التي عقدت في السعودية.
ويحظى الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في هذه المبادرة، باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة للصين، وواحدًا من الأسواق الاستهلاكية الهامة للبضائع الصينية وكذلك للاستثمارات، بالإضافة إلى موقعه الاستراتيجي كجسر على طريق المبادرة إلى منتهاها الأوروبي.
لكن ما يعاني منه الشرق الأوسط ودوله من أزمات وصراعات، والهيمنة الغربية، لا سيما الاميركية على مراكز القرار في هذه الدول، يجعل من البلدان العربية بلدانا متفرجة على الصراع بين الشرق والغرب، تنتظر المضي في قرارات تتخذ في الأغلب نيابة عنها.