منذ الإفطار الشهير في قصر بعبدا، استبشر اللبنانيون خيراً بالاتفاق الذي راجت أصداؤه حول قانون الانتخاب النسبي على أساس 15 دائرة انتخابية... على علّاته، ومنها تقسيم بيروت المقيت إلى دائرتين طائفيتين، ترسّخ فرزاً عجزت الحرب الأهلية عن تجذيره.


تتالت الاجتماعات وأُشيعت أجواء التفاؤل، لكنّ «الدّخان الأبيض» الذي يسمح بنقل النّقاش من الاجتماعات المغلقة إلى طاولة مجلس الوزراء على شكل مشروع قانون، تبدّد قبل خروجه، مع الإعلان أمس عن أن جدول أعمال جلسة الغد لا يتضمّن بند قانون الانتخاب، بما يعنيه الأمر من استهلاك للوقت القصير الباقي قبل انتهاء ولاية مجلس النّواب.
ورغم إشاعة أكثر من مصدر معني بالتفاوض أجواءً بأنّ الاتفاق حول تفاصيل القانون بات شبه منجز، وأن لا عراقيل كبيرة تقف أمام القانون في ما يتعلق باعتماد الصوت التفضيلي في القضاء أو في الدائرة الانتخابية ومسألة «إعادة توزيع المقاعد»، إلا أن مصادر مطلعة أكدت لـ «الأخبار» أنه لا يزال «بكير» القول إن الاتفاق بات ناجزاً، وأن «كل نقطة فيه تحتاج إلى معركة».


مصادر التيار:
الحديث عن تعديل دستوري طرحه الرئيس نبيه بري أولاً

إذاً، لم يصل القانون إلى برّ الأمان بعد، والسبب ــ بحسب مصادر معنية ــ «مجموعة عُقد جديدة»، بعضها «تعجيزي»، يطرحها التّيار الوطني الحرّ تتعلّق بالنظام السياسي برمّته، في ربع الساعة الأخير. وأضافت أن الكتل السياسية، ومنها أصدقاء التيار وحلفاؤه، لم تعد تخفي شعورها بأنّ مطالب الوزير جبران باسيل، ومن خلفه الرئيس ميشال عون، تحمل في طيّاتها أبعاداً تتجاوز الانتخابات النيابية إلى محاولات تعديل اتفاق الطائف بالتفاوض تحت الضغط. «وهذا المنطق، بات يشكّل خطراً على الاتفاق حول الانتخابات نفسها، لأن العقد الجديدة/ القديمة تحتاج إلى نقاش وطني، لا ينتهي بأيّام أو أشهر، وربّما إلى مؤتمر تأسيسي يعيد تشكيل النظام اللبناني بعد الطائف». علماً أن مصادر التيار الوطني الحر تصرّ على أن «الحديث عن تعديل دستوري في ما يتعلق بالمناصفة لم يأت من جهتنا ابتداءً، بل من جهة الرئيس نبيه بري لدى طرحه اقتراح مجلس الشيوخ، قبل أن يتراجع عنه».
ويلخّص أكثر من مصدر واسع الاطلاع لـ«الأخبار»، «طموحات» التيار الوطني الحرّ، بالآتي: أوّلاً، انتقل التيار الوطني الحرّ من المطالبة بخفض عدد المقاعد من 128 إلى 108، إلى المطالبة بتوزيع المقاعد العشرين التي أضيفت بعد الطائف على المغتربين و«الكوتا النسائية» ومن يترشحون خارج القيد الطائفي، أو من يسميهم باسيل «اللاطائفيين». ويلاقي مطلب منح المقاعد للمغتربين اعتراضاً كبيراً من حزب الله وحلفائه، مردّه أن الحزب لن يستطيع تنظيم حملات انتخابية في المغتربات أو ترشيح نوّاب في هذه المرحلة بسبب الحرب التي تخاض ضدّه من قبل الأميركيين وحلفائهم من الدول الأخرى. وهذا الموقف سبق أن شرحه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لباسيل خلال لقائهما الأسبوع الماضي.
ثانياً، المطالبة بتصويت العسكريين الذي يلاقي اعتراضاً واسعاً من مختلف الكتل السياسية. فالجيش، عمليّاً، هو المؤسسة الوحيدة الباقية، الأقلّ تأثّراً بلعبة التجاذب السياسي الهدّام للمؤسسات، وليس من مصلحة البلد أن يُزج الجيش في تجاذبات الانتخابات. ثمّ إن الجيش، ومن دون الدخول في لعبة الأرقام، يعكس التوزيع الديموغرافي والطائفي للبنانيين... ومن المفترض أن يكون الأمر كافياً، ليدرك التيار الوطني الحرّ أنه ليس من مصلحته إقحام الجيش في ما لا يعنيه، بينما تحمل المؤسسة العسكرية مسؤوليات كبيرة على مستوى حماية اللبنانيين من التهديدات الإرهابية والأخطار الإسرائيلية المحدقة.
ثالثاً، يجري الحديث عن أن رئيس الجمهورية يريد اتفاقاً سياسياً، قبل الاتفاق الكامل على قانون الانتخاب، وهذا الاتفاق على شاكلة «إعلان بعبدا»، الذي أعلنه الرئيس السابق ميشال سليمان. ويتضمّن «إعلان عون» الاتفاق على مجلس الشيوخ واللامركزية وعلى تعديل دستوري جديد يثبّت المناصفة في الدستور (مع أنها مثبتة)، ويعدّل المواد المتعلّقة بإلغاء الطائفية السياسية، وبالتالي إغلاق الأفق أمام إمكانية تشكيل دولة مدنية وطنية، حتى في المستقبل، لمصلحة تشكيل مجلسين طائفيين وترسيخ تقاسم الحصص على أساس طائفي ومذهبي.
الرئيس نبيه برّي من جهته، على الرغم من شعوره بالارتياح، إلّا أنه عبّر عن استياءٍ من العُقد الجديدة. ولم يخف موقفه أمام زوّاره، مؤكّداً أن «هذا القانون مكتمل ولا شوائب عليه، ولا أحد يربّحنا جميلة، نحن لاقينا القانون الذي وافقوا عليه في بكركي، وهو يحافظ على تمثيل الجميع، وأنا لن أوافق تحت الضغط على أيٍّ من المشاريع الجديدة القديمة». وقالت مصادر عين التينة، إن «الرئيس برّي طرح قبل انتخاب الرّئيس مسألة السّلة وتملّصوا منها، الآن يريدون السّلة في الأيام الباقية، هذا تعجيز».
في المعلومات، أن اجتماعات واتصالات الأيام الماضية، ومنها الاجتماع الذي ضمّ باسيل ومستشار الرئيس سعد الحريري نادر الحريري والنائب جورج عدوان، الذي ينشط على خطّ التواصل بين الوزير علي حسن خليل وباسيل، ويضع النائب وليد جنبلاط في صورة التطوّرات، أفضت إلى الاتفاق على اعتماد عتبة نجاح اللوائح بالحاصل الانتخابي، أي قسمة عدد الناخبين على عدد المقاعد، وليس الـ 10% من نسبة الناخبين التي جرى الحديث عنها. كذلك، لم يُحسم النقاش حول «الصوت التفضيلي»، إذ يميل التيار الوطني الحر والحريري إلى اعتماد التفضيلي على أساس القضاء، بينما يصرّ حزب الله وحركة أمل وجنبلاط والقوّات اللبنانية على اعتماد التفضيلي على مستوى الدائرة. وتقول مصادر واسعة الاطلاع، إن «هذا الأمر شبه حُسم لمصلحة الإجماع الأكبر، أي على مستوى الدائرة، لكنّ هذا الأمر لن يشكّل عائقاً كبيراً».
لكن ماذا لو لم يتمّ الاتفاق وعرض المشروع على الحكومة قبل جلسة 12 حزيران المقرّرة في مجلس النّواب؟ تردّ المصادر بأن «الوقت لم يعد يسمح بالتسلية والمزاح، الاتفاق أمامنا والفراغ والمجهول أمامنا أيضاً، من يعرقل الآن يتحمل مسؤولية تخريب اتفاق سياسي ينقذ البلد». وتكشف المصادر عن سيناريو يجري التداول فيه، في حال فشَل الكتل السياسية بالاتفاق حول القانون وإرساله من الحكومة إلى المجلس: «نص القانون جاهز، إذا لم نتفّق من الآن حتى موعد الجلسة، سيجري تحويل المشروع إلى اقتراح قانون بصيغة معجّل مكرّر، والتصويت عليه في مجلس النّواب، وسينال الأصوات الكافية ليقرّ. غالبية الكتل السياسية لا تريد الفراغ، وتيار المستقبل اليوم بات مستعجلاً أكثر من حزب الله، لأنه يدرك ماذا تعني خسارة الطائف. هذا القانون سيعتمد، وستجري الانتخابات على أساسه». وقالت المصادر إن مساء اليوم سيشهد اجتماعاً مهمّاً دعا إليه الرئيس الحريري، يضمّ عدوان وباسيل وخليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل، للبحث في آخر التطوّرات. وحول عدم مشاركة جنبلاط أو من يمثّله في الاجتماع، قالت المصادر إن «الأمر عند الحريري، وربّما كان من المفترض دعوة الحزب التقدمي الاشتراكي لأنه شريك أساسي في البلد بما يمثّل، لكن بكلّ الأحوال عدوان ينسّق إلى حدٍّ كبير مع جنبلاط ويضعه في صورة التطوّرات بشكل مستمر».