كان يفترض أن ينحصر النقاش السياسي حالياً بقانون الانتخاب: آلية الاقتراع، النظام الانتخابي، والدوائر والنسبية والستين والتحالفات. وكان يمكن أن يتفرع النقاش الى الثغر والعقبات أمام تطبيق النسبية المطروحة حالياً، وغرق المناقشين في آليات الاحتساب، وفي احتمال العودة مجدداً الى قانون الستين وإرجاء الانتخابات.


لكن الأزمة السياسية حرفت اتجاه النقاش نحو نغمة قديمة ــــ جديدة، هي تعديل اتفاق الطائف؛ فبين ترك المجال للاختيار بين صفقة انتخابية محض أو صفقة سياسية متكاملة تتعلق بإعادة البحث في الاصلاحات الدستورية وتعديل مواد أساسية في اتفاق الطائف، يُنظر الى التيار الوطني الحر على أنه حكماً سيختار الثانية. وهذا الاختيار لا يعود الى عقم الحوار بين القوى السياسية المعنية حول تفاصيل قانون الانتخاب، بل لأن ثمة أجندة سياسية لم يتخلّ التيار عنها ولو أنه تخطّاها مرحلياً على طريق تعبيد الطريق لوصول العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.
ليس جديداً ما يكتب عن هذه العلاقة المستحيلة بين عون والطائف. هذا الاتفاق الذي أخرجه من لبنان وأعاده اليه وانتخب بواسطته رئيساً للجمهورية. لكنّ ثمة ودّاً مفقوداً بينهما جعل عون يصوّب دائماً على الاتفاق، وجعل التيار، بنسخته الحديثة بعد انتخاب عون رئيساً، يقتنص الفرصة أيضاً للتصويب عليه.


أحقيّة المطالب
في التوقيت الخاطئ
لا تؤتي دائماً
ثمارها المرجوّة

ولا يمكن تبعاً لذلك إلا قراءة الأعراف التي حاول عون خلقها من خلال رؤيته للدستور الحالي، حين رفض توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة. وكذلك الامر في استخدامه، للمرة الاولى، المادة 59 من الدستور، ليس من باب حقه الشرعي في استخدامها بل من باب استعمالها كرسالة سياسية. ولأن الطائف الحالي بقي، في «دستور» التيار، السبب الرئيسي في الهجرة القسرية لعون وفي ما حصل من ممارسات زمن تطبيق الطائف السوري، ولأن هناك مواد عدة لم ترق يوماً رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، كان التدرج من مطالبة التيار بتعديلات حول صلاحيات رئيس الجمهورية حصراً الى المطالبة بإصلاحات تتعلق باستعادة حقوق المسيحيين وتثبيتها دستورياً في الطائف المعدل. وبطرح التيار (لا يمكن التذرع بأن رئيس الجمهورية غير موافق على هذه المطالب) جملة تعديلات تعلق بالمادتين 22 و24 وتثبيت المناصفة وخفض عدد النواب وإيجاد صيغة لمجلس الشيوخ (يتردد أنه يؤيّد إلغاءه)، إنما يعيد رسم إطار جديد لواقع سياسي، مستقبلي، يتعدى النقاش حول تقنيات قانون الانتخاب، ليعيد رسم دور التيار وفضله في استعادة حقوق المسيحيين بنصوص دستورية معدلة تبعد شبح تشكيل مجلس من خارج القيد الطائفي.
هي ليست المرة الاولى التي يصبح الطائف مادة نقاش أساسية في إطار تناول قانون الانتخاب. ففي شباط الفائت، كان الوزير وائل أبو فاعور واضحاً في التعبير عن موقف النائب وليد جنبلاط بقوله «نشتم رائحة ردة على اتفاق الطائف وانقلاب عليه. هناك عقد دستوري وطني بين اللبنانيين، وإذا كان هناك من يريد أن ينقلب عليه فليعلن هذا الأمر صراحة». وبالأمس، وجه تيار المستقبل الرسالة ذاتها بعدما رفض الرئيس نبيه بري أيضاً التعديلات التي يطالب بها التيار. لكن هذا لا يعني أن الازمة الدستورية الجديدة ستكون عابرة، لأن الاصطفاف وقع مجدداً بين القوى السياسية على أسس وقواعد مغايرة؛ فتيار المستقبل سيكون محرجاً، مهما بلغ عمق تحالفه المستجد مع التيار الوطني، في الذهاب الى تعديلات الطائف، وهو الذي بنى أدبياته لسنوات على اتهام حزب الله بمحاولة الانقضاض على الاتفاق الذي أسهم فيه وفي تطبيقه الرئيس الراحل رفيق الحريري. وهي حال بري وجنبلاط أيضاً. لكن يبقى موقف حزب الله الذي يتماشى مع أداء عون وباسيل، الى حدّ التماهي، لأن عرقلة قانون الانتخاب بعدما وصل الى حدّ إقراره، بذريعة إصلاحات دستورية أساسية تقتضي نقاشات معمقة، تعني أن الغطاء الذي أعطي لباسيل في كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في مناسبة مهمة كذكرى التحرير، غطاء شامل وأبعد من لحظة عابرة، لا سيما أنه توّج بلقائهما المشترك. والذين لا ينظرون الى هذه العلاقة برضى، يرون أن الحزب يغطّي باسيل الى الحد الأقصى، رغم أنه يرفع لهجة طائفية بحتة، لأن الاخير يغطّي الحزب في البيئة المسيحية الأوسع التي يمثلها التيار.
لكن هل هذا يعني أن مطالبة التيار بتعديلات دستورية ستفتح الباب أمام المطالبة بتعديلات أخرى، فيكون زمن رئاسة عون زمن تعديل الطائف من باب الحقوق المسيحية؟ ثمة شكوك ترسم في مبالغة التيار وذهابه بعيداً في رسم سقوف عالية للنقاش الحالي، فيما لا يبدو أن الأجواء المحلية والإقليمية تسمح بالذهاب الى تعديل اتفاق مثل الطائف، إلا بكباش سياسي حاد، لا يظهر أن أحداً مستعد للقيام به، لأن أحقيّة المطالب في التوقيت الخاطئ لا تؤتي دائماً ثمارها المرجوّة، إلا إذا كان الهدف تمييع الوقت فحسب، والإبقاء على قانون الستين والتمديد للمجلس النيابي وإرجاء البحث في كل الملفات العالقة.