بعد تفجيرات بيروت عام 1983، المعروفة بتفجير المارينز، كانت تصل إلى الدولة اللبنانية تقارير من سفير لبنان لدى واشنطن عبدالله بو حبيب، تُفيد بأنّ القوات الأميركية ستنسحب من بيروت. لم تؤخذ تلك الرسائل على محمل الجدّ. فسفارة الولايات المتحدة في لبنان، في حينه، عمدت إلى نفي الخبر. دقّة معلومات بو حبيب نتجت من تواصله مع الإدارة الأميركية بمختلف أجنحتها.


هذا الدور لا يُمكن القائمةَ بالأعمال في واشنطن كارلا جزار، لعبه، لكون منصبها يمنعها من التواصل مع من هم أعلى رُتبة منها. ليست جزار استثناءً. فهناك نحو 32 سفارة لبنانية حول العالم يديرها قائمون بالأعمال برتبة سكرتير، من بينها واشنطن وباريس والقاهرة (والجامعة العربية) والصين ومدريد والفاتيكان، والأمم المتحدة بعد أن يُحال نواف سلام على التقاعد. ملفات أساسية يغيب عنها لبنان، تتعلّق في أحيانٍ كثيرة به مباشرة، كملف العقوبات الأميركية. رغم ذلك، لا يزال هناك حجز على التشكيلات الديبلوماسية. وأول الغيث لن يبان «قبل الاتفاق على قانون جديد للانتخابات النيابية»، كما تُقرّ مصادر في تكتل التغيير والإصلاح. يُضاف إلى الخلاف السياسي بين القوى السياسية، ما حُكي عن خلاف على التشكيلات بين وزير الخارجية جبران باسيل ومستشارة رئيس الجمهورية ميراي عون الهاشم، وانشغال باسيل بمسائل أخرى، كالبحث في قانون الانتخابات.
آخر التطورات في الملف الديبلوماسي، بعد أن فعّلت لجنة في وزارة الخارجية (تتألّف من الأمين العام بالوكالة ومدير الشؤون السياسية شربل وهبة، ومدير الشؤون الإدارية والمالية سعد زخيا) اجتماعاتها، برزت الأسبوع الماضي مع تسليم «الخارجية» لائحة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، وأخرى لمدير مكتب رئيس الحكومة نادر الحريري. الورقة تتضمن اقتراحات المداورة الطائفية بين السفارات، وتوزيع السفراء، وتصنيف الدبلوماسيين (ترقيتهم). وقد طُرح على برّي منح سفارة لبنان في الصين لسفير شيعي بدلاً من اليابان، ودمشق بدلاً من أبو ظبي، وكوريا الجنوبية بدلاً من السويد، وكولومبيا بدلاً من عُمان.


يتضمن مشروع الخارجية تعيين
سفير من الطائفة العلوية في الجزائر


أما في ما خصّ الاقتراح المُقدّم إلى تيار المستقبل، «فننتظر منه طرح 3 أسماء من خارج الملاك (القاهرة ــ الجامعة العربية، والرياض، ونيويورك ــ الأمم المتحدة)، وتثبيت خياره بتعيين قنصل لبنان العام في إسطنبول هاني شميطلّي في منصب الأمين العام لوزارة الخارجية، وجوابهم حول تبديل سفارة الكويت بأخرى»، بحسب مصادر «الخارجية». الاجتماع مع نادر الحريري حصل الأربعاء الماضي «ووعدنا بالردّ خلال هذا الأسبوع». ولكن، الأمور ليست بهذه السهولة، بوجود اعتراضات صادرة من عين التينة وبيت الوسط تتعلّق بتوزيع السفارات.
فعين التينة رفضت المبادلة بين أبو ظبي ودمشق، مع تعيين قنصل عام شيعي في دبي. لذلك، عرضت «الخارجية» على تيار المستقبل التخلّي عن سفارة الكويت، وإعطاءها لحركة أمل بدلاً من أبو ظبي. لم تحصل الوزارة بعد على جواب، لكن بحسب مصادر مطلعة على الملف «الكويت أساسية لتيار المستقبل، لذلك لن يتخلّى عنها». أمام هذا الحائط المُرتفع بوجهها، بدأت مصادر «الخارجية» تُروج أنها «غير متمسكة بمطلب أبو ظبي. ولكننا أردنا أن يكون هناك تمثيل مسيحي في دول الخليج».
يفرض نادر الحريري تعتيماً إعلامياً على هذا الملف، لعدم خلق أي إشكال مع باسيل من جهة، ولأنّ ملاحظات «المستقبل» على التشكيلات لا تقف عند حدود رفض التخلي عن سفارة الكويت. تقول مصادر «الخارجية» إنّ تيار المستقبل «طالب بتمثيل ديبلوماسي في أوروبا الغربية، لكونه لا يوجد هناك سوى سفارتين للطائفة السنيّة. خياره الأول كان روما، على اعتبار أنه يوجد في الفاتيكان سفير مسيحي، والخيار الثاني هو رئاسة بعثة لبنان لدى الأونيسكو». وزارة الخارجية تشترط لتنفيذ الطلب «الحصول على سفارة في الخليج لمسيحي. والأرجح أن تُعطى الأونيسكو للمستقبل وليس روما». المطلب الثالث للتيار الأزرق كان تعيين الأمين العام، وهو أرفع منصب سنّي في الوزارة ومهمته وضع مسودة التشكيلات. رفضت وزارة الخارجية لأنه، بحسب مصادرها، «هاني شميطلي بحاجة إلى ترفيع من الفئة الثانية إلى الأولى، ولن يصدر قرار بشأنه فقط، بل سيكون اسمه مشمولاً مع باقي الأسماء المرشحة للتصنيف (أي الترقية) وستصدر مع التشكيلات».
من الأمور التي يتضمنها مشروع «الخارجية» للتشكيلات، تعيين سفير من الطائفة العلوية في الجزائر، من خارج الملاك. الخيار محصور بين ثلاثة أسماء، منها سيدة تسكن في فرنسا، وقد أُرسلت سيرتها إلى وزارة الخارجية من القصر الجمهوري. ومن بين الأسماء المطروحة أيضاً المدير العام المتقاعد خليل الشتوي الذي تواصل مع باسيل قبل فترة لهذا الهدف.
الجواب المُنتظَر من نادر الحريري قد يتأخر، أما من عين التينة فقد لا يصل. وبحسب المصادر المطلعة «الطرح غير منطقي وكأنهم يبغون من طرح المداورة بين السفراء الشيعة والمسيحيين إطالة أمد الأزمة». وتلفت المصادر إلى نقطة أنّ من يتولّى المفاوضات بين الخارجية وعين التينة هو المدير العام للمغتربين هيثم جمعة. فرغم تولي الأخير منصب نائب رئيس حركة أمل، «يبقى أن عدم تسليم الملف للوزير علي حسن خليل أو لمستشار الرئيس نبيه بري، علي حمدان، دليلٌ على أنّ الأمور لم تصل إلى خواتيمها بعد».