«اعترفت لسيّدنا بما فشلنا وبما نجحنا في تحقيقه». هذا ما قاله وزير الخارجيّة جبران باسيل، قبل نحو أسبوع، بعد لقائه البطرك الماروني بشارة الراعي. كثيرة هي المفردات «اللاهوتيّة» على لسان باسيل في الآونة الأخيرة. إنّه «يعترف». كان يتحدّث عن مآل مفاوضات قانون الانتخاب، إذ رست على قانون النسبيّة في 15 دائرة، الذي «أخذ شرعيّته عمليّا هنا في بكركي».


هل فعلاً المؤسسة الدينيّة المارونيّة، في لبنان، قويّة إلى هذا الحدّ؟ هل المسألة دينيّة محض، وبالتالي، هل نحن حقّاً أمام طاعة «خراف» لراعيها؟ مَن الذي يُحرّك مَن، رجال الدين يُحرّكون الساسة أم أنّ الساسة يُحرّكون رجال الدين؟ ليست المسألة بهذه الحدّة في لبنان. بسهولة يُمكن الحصول، مِن الأرشيف، على تصريحات لسياسي ما كانت تخالف توّجه مؤسسته الدينيّة، بل وفي بعض الأحيان تهاجمها، لنجد السياسي نفسه، في مرحلة لاحقة، واضعاً نفسه تحت تصرّف «سيّدنا». عموماً، لا أحد يُجادل في حضور المؤسسة الدينيّة المسيحيّة، المارونيّة تحديداً، في الشأن العام، مقارنة بمؤسسات أخرى. لا أحد ينفي أن البطرك بإمكانه أن يقبل أو يرفض، وأن كلمته، إلى حد بعيد، مسموعة ومطاعة.


هناك سياسيّون
أقوى مِن مؤسساتهم الدينيّة ويُركّبونها
وفقاً لـ«مصلحة الطائفة»... سياسيّاً

السؤال، ماذا عن المؤسسات الدينيّة الإسلاميّة سياسيّاً؟ هل يعتقد أحد، في لبنان، أنّ حزب الله عندما يتخذ قراراً سياسيّاً داخليّاً، أقله، يُبادر إلى الوقوف على رأي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؟ حتماً لا. يُمكن الحديث عن مراعاة، أو إخطار، لا أكثر. التنسيق الفعلي يكون مع حركة أمل. أمّا الحركة، الجناح الشيعي الآخر، فليس مستغرباً أن تجد الجميع متفقاً على كون المجلس الشيعي في جيبها. لم يحصل يوماً أن أراد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، شيئاً في السياسة ثم خرج الشيخ عبد الأمير قبلان وعارضه. وإلى المؤسسة الدينيّة السنيّة، فمنذ انتهاء الحرب الأهليّة ودار الفتوى في جيب الحريريّة السياسيّة. ذات مرّة، عندما اختلف المفتي مع «السنيّة السياسيّة» (الرسميّة) طار مِن منصبه. درزيّاً، الأمر عينه. مَن يخالف وليد جنبلاط مؤسساتيّاً ثم يُكتب له النجاح؟ هنا سؤال آخر: هل حقّاً الدين يتدخّل في السياسة اللبنانيّة؟ التجربة المختلفة، في هذا الشأن، بين المسيحيين والمسلمين تمنع الأحكام المطلقة. لا بدّ مِن تفكيك كلّ حالة على حدة. إسلاميّاً، يصعب القول إنّ الدين يتدخّل في السياسة. يُمكن القول إن الساسة يوظّفون الدين، بالمعنى الطائفي، تعبويّاً. هناك سياسيّون أقوى مِن مؤسساتهم الدينيّة، بل هم مَن يُركّبون هذه المؤسسات، وفقاً لـ«مصلحة الطائفة»... سياسيّاً. حتى الشكليّات لا تُراعى. حتى زيارة «أخذ البركة» لا تحصل. ربّما يُمكن تفسير هذا بكون المرجعيّات «الحقيقيّة» تقع خارج لبنان. هذا يسري على السنّة والشيعة. أمّا الدروز فلا مرجعيّة دينيّة خارجيّة لهم. في حالتهم، بكلّ وضوح، السياسي هو الحاكم المطلق على المؤسسة الدينيّة. تأخذ الجماعات الدينيّة في لبنان شكل «القبلية». يُمكن لشخص ملحد، لا يؤمن بأيّ دين على مستوى الاعتقاد، وبالتالي الممارسة، ولكنّه مع ذلك يظلّ مارونيّاً أو سنيّاً أو شيعيّاً... إلخ. ليست قوانين الانتخابات، كلّها، إلا أحد أسباب تعميق هذه الحالة. يُمكنك أن تكون «كافراً» (مع نفسك) ولكن عندما تُريد الترشّح للانتخابات النيابيّة، فلا بدّ لك أن تترشّح وفق مقعد الطائفة التي تنتمي إليها «قبليّاً». تخيّل أن ترى يافطة، لأحد المرشحين، مكتوب عليها: مرشّح الدائرة الفلانيّة عن «المقعد اللاديني» أو «مقعد الكفّار» مثلاً! ستكون مضحكة. سيُصبح هؤلاء «طائفة». الكلّ يعلم أنّ لا حلّ لهذه المعضلة سوى بانتخابات خارج القيد الطائفي. الآن، كلّ مواطن لا يُريد أن ينتمي لطائفة فهو «لا شيء».
المُهم، إسلاميّاً، لمن يُريد أن يُناضل في لبنان نحو المواطنة، فالعمل يكون على الساسة مباشرة. أما مسيحيّاً، فالعمل يكون على الساسة والمؤسسة الدينيّة في الوقت عينه. أحد أسباب قوّة البطرك الماروني، ومؤسسته، أنّه لا يتقاضى راتباً مِن الدولة اللبنانيّة. الاستقلاليّة الاقتصاديّة أولى الاستقلاليّات. إنّه سيّد نفسه. لدى هذه المؤسسة تمويلها الذاتي. مَن يَملك الثروة، والقدرة على التصرّف بها، يُطاع ولا يُطيع. بالحدّ الأدنى لا يُطيع. أما رجال الدين في المؤسسات الدينيّة الإسلاميّة، فإنّهم يتقاضون رواتبهم مِن خزينة الدولة، هذه الدولة التي تُدار مِن السياسيين، وبالتالي هم موظفّون عند الزعامات السياسيّة. مَن يأكل مِن مال السلطان يضرب بسيفه. الموروث التاريخي لكلّ جماعة يُساعد على فهم الشكل الحالي لإدارتها.
فصل الدين عن الدولة، هذه المقولة العالميّة، لا يُمكن أن تكون وصفة موحّدة، في التطبيق، في كلّ العالم. كلّ دين هو غير الآخر، وكلّ دولة هي غير الأخرى، وبالتأكيد كلّ سياق اجتماعي هو نسيج وحده. تبقى حالة لبنان مِن أعقد السياقات حيث تتداخل المفاهيم فيه كما لا يحصل في أيّ مكان آخر.