عام 2011، وُضعت، للمرة الأولى، إشارات مرورية في الضاحية الجنوبية لبيروت. قبلها، لم يكن في شوارع هذه المنطقة التي يقطن فيها أكثر من نصف مليون شخص أي إشارة. وللفرد أن يتخيّل الواقع المروري الذي كان يسود في تلك البقعة الجغرافية.

اليوم، بعد نحو خمس سنوات على تنفيذ المرحلة الأولية من خطة السير التي وضعها اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية آنذاك، لا يختلف المشهد كثيراً. الإشارات المرورية «نظّمت» أزمة السير، لكنها، بالتأكيد لم تعالج حدّتها.

مدخل ساحة الغبيري، أوتوستراد هادي نصرالله، تقاطع كنيسة مار مخايل، شوارع بئر العبد الداخلية، زواريب برج البراجنة، شارع المعمورة الرئيسي... وغيرها، بات الازدحام فيها من طقوس أهلها. الناس هنا لم يسأموا الزحمة فقط. سئموا، أيضاً، الطرقات والحُفَر ــــ الخنادق، وتعبوا من رائحة المياه التي يغسلون أوجههم بها صباحاً، من دون أن تكفيهم، غالباً لا تكفيهم حتى المساء بسبب انقطاعها الدوري. بحسب رئيس اتحاد بلديات الضاحية المهندس محمد ضرغام، هناك مشاكل بنيوية متجذرة في الضاحية، تحتاج إلى سياسات على صعيد الدولة. يُشير ضرغام إلى ضرورة «تشريح» الواقع في الضاحية، سعياً إلى «تشخيص» مكامن الأزمة قبل أي حديث عن تنفيذ إصلاحات في المنطقة.

5 مناطق عشوائية و39 ألف نسمة في الكلم!

حيّ السلم، الرمل العالي، حرش القتيل، حرش تابت والأوزاعي، خمس مناطق عشوائية «تحتضنها» الضاحية. هذه المناطق تُشكّل عاملاً أساسياً، برأي الاتحاد، في تعقيد الحلول وفي كيفية طرحها، إن كان على المستوى المالي أو على المستويين الاجتماعي والسياسي. إذ لا يمكن معالجة هذه «العشوائيات» من دون إرادة سياسية وخطط استراتيجية تتبنّاها الدولة.
لكنّ أزمة السير لا تتعلّق بالبناء العشوائي، وفق ما تقول أستاذة الدراسات الحضارية والسياسية في الجامعة الأميركية في بيروت منى حرب. وتوضح أن نسبة البناء العشوائي الموجودة في الضاحية لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في بقية المناطق المدينية، لافتة إلى أن مُشكلة السير تكمن في الأماكن المكتظة التي تغيب عنها سياسات التنظيم المدني.
هناك نحو 700 ألف مقيم في الضاحية يتوزعون على نحو 18 كيلومتراً مربعاً. أي يقطن في الضاحية حالياً نحو 39 ألف نسمة في الكيلومتر الواحد، فيما تضم المنطقة نحو 180 مدرسة، تسبب أزمات سير خلال الدوامات صباحاً وظهراً، وأيضاً مع اعتماد دوامات إضافية للنازحين السوريين. ومع وجود الطرقات الفرعية الضيقة وغياب النقل العام المُشترك، تغدو زحمة السير المستمرة في المنطقة مبررة. تنفي حرب أن يكون الاكتظاظ مرتبطاً بالفوضى، وتعطي مثالاً على بلدان تعاني من اكتظاظ سكاني، لكن لا توجد فيها فوضى، مُشيرة إلى ضرورة اعتماد سياسة تنظيم مدني تلحظ نقل عام مُشتركاً يُجنّب ذُلّ الناس اليومي في مركباتهم. فيما يشير ضرغام إلى عوامل أخرى تزيد الواقع تعقيداً، كانتشار الحواجز الأمنية عند مداخل الضاحية بسبب الوضع الأمني.

موقف ضخم في الغبيري وتأهيل الأوزاعي

منذ نحو ستة أشهر، لزّم اتحاد بلديات الضاحية شركة «خطيب وعلمي للاستشارات الهندسية» إجراءَ دراسات أولية لواقع الطرق والسير في الضاحية.


ضرغام: من المقرر
أن تُقرّ الحكومة
مشروع تأهيل
منطقة الأوزاعي
يقول مندوب الاتحاد في بلدية حارة حريك المهندس علي سليم لـ «الأخبار» إن الخطة لا تزال قيد الدرس، ومن المتوقع أن تنهي الشركة دراستها آخر السنة الحالية، على أن تتضمن شرحاً وافياً لوضع الطرقات التفصيلية وعدد السيارات التي تدخل إلى الضاحية تمهيداً لوضع خطة استراتيجية للسير والمباشرة فيها.
يقول ضرغام إن الدراسات المفصلة التي يجري إعدادُها هدفها «تفنيد» المسؤوليات وتوزيعها بين الاتحاد وبين وزارتي الأشغال والطاقة وغيرهما من المؤسسات الحكومية المعنية، ذلك أن الاتحاد لا يملك الأموال الكافية لتغطية تكاليف المشاريع الضخمة التي تحتاجها الضاحية. يختصر الأمر بالقول: «نحن نقوم بتشخيص المرض، لكننا لا نملك ثمن الدواء». ويوضح أبرز البنود/ الإجراءات التي ستنص عليها خطة إدارة السير في الضاحية: إنشاء محطات تسفير تكون بديلة من موقعي السفارة الكويتية للمتجهين نحو الجنوب وكنيسة مار مخايل للمتجهين نحو البقاع، والسعي إلى إنشاء خط قطار من خلدة إلى الجامعة اللبنانية، فضلاً عن تطوير النقل المشترك وإرساء إدارة جديدة للسير وإضافة مواقف سيارات جانبية على طول أوتوستراد هادي نصرالله.
لكن بلدية الغبيري لم تنتظر انتهاء الخطط الأولية للمباشرة ببعض الإجراءات التي تستطيع القيام بها ضمن نطاقها، وفق ما يقول رئيس البلدية معن خليل لـ «الأخبار». إذ تسعى حالياً إلى إنشاء موقف ضخم للسيارات في شرق طريق المطار بكلفة تبلغ نحو 4 ملايين دولار. ويوضح خليل أن لبلدية الغبيري دراسة خاصة بها منسجمة مع الدراسة العامة، وأي تغيير ستتطلبه الدراسات الجديدة لن يكون عائقاً، مشيراً إلى أن البلدية باشرت ببعض الإجراءات «الفردية»، كتوحيد خط السير في بعض الشوارع الضيقة وإضافة إشارات للسير وغيرها.
من جهة أخرى، يقول ضرغام إنّ من المقرر أن تُقرّ الحكومة مشروع تأهيل منطقة الأوزاعي الذي تقدم به الاتحاد إلى الحكومة أخيراً، لافتاً إلى أن الاتحاد يسعى إلى توفير التمويل اللازم لكل مشروع لا يستطيع تحمّل تكلفته. ثمة من يُشكّك في تطبيق هذه الدراسات، وبالتالي في تغيير الواقع الحالي للضاحية. يقول ضرغام في هذا الصدد إنه «لا يضيع حق وراءه مطالب».
بدورها، تقول حرب إن الضواحي أُنشئت للطبقة الوسطى التي لا تستطيع العيش في المدن، وخُصصت للتخفيف من اكتظاظ المدن، لكن «غياب التنظيم المدني، وفي ظل السياسات الاقتصادية» دفعت إلى إنشاء واقعٍ معاكس.
اللافت هو ما تُشير إليه حرب، وهو ضرورة أن تباشر الدولة بالاهتمام بالضواحي وتنظيمها «لأن الناس سيتدبّرون أمرهم بالعيش من سرقة ماء أو كهرباء أو غيرها كي يعيشوا، لذلك من الأفضل أن تكون الدولة هي المُنظّم لطريقة العيش تجنباً لمزيد من الفوضى».




الاتحاد يُطالب بزيادة عديد قوى الأمن الداخلي

رغم الصورة النمطية عن منع «الدولة» من الدخول إلى الضاحية الجنوبية، «معقل» حزب الله، إلا أن الاتحاد يُطالب حالياً وزارة الداخلية والبلديات بزيادة عديد قوى الأمن الداخلي، فضلاً عن زيادة عدد المخافر وعدد مفارز الطوارئ والمخافر. يقول ضرغام: «لم تقل الدولة يوماً إنها تريد إنماء المنطقة واعترضها أحد، بل على العكس، نحن بحاجة لها. فلتأتِ».