ليس بالنبيذ والعسل يحيا العهد. وكذلك ليس بتعديل الدستور، واختراع قوانين انتخابية تنتهي صلاحيتها بعد أربعة أعوام إن لم يكن قبل، يمكن أن يقال إن عهد رئيس الجمهورية ميشال عون يختلف عن عهود ما بعد الطائف. فما نشهده في الحكومة وبعض الوزارات، لا يوضع في خانة تعزيز هذا العهد، الذي لا يزال بعد مرور أكثر من سبعة أشهر يبحث عن نفسه وعن هوية له.


وليس لأن رئيس الجمهورية اسمه ميشال عون لا يجب أن يقال ما يجب قوله، لأن هناك عهداً يجب أن يبدأ فعلاً في السياسة وفي الأمن وفي استعادة سلطة الدولة. ففي خطاب القسم الذي توج به عون مسيرته النضالية كما قال فيه، يعد رئيس الجمهورية «بأن أول خطوة نحو الاستقرار المنشود هي في الاستقرار السياسي، وذلك لا يمكن أن يتأمن إلا باحترام الميثاق والدستور والقوانين من خلال الشراكة الوطنية (...) وفي هذا السياق، تأتي ضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، بكاملها من دون انتقائية أو استنسابية، وتطويرها وفقاً للحاجة من خلال توافق وطني». ويضيف أن فرادة لبنان «تقضي بأن نعيش روح الدستور، من خلال المناصفة الفعلية، وأول موجباتها إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات القادمة».


ما يحصل في قانون
الانتخاب ليس سوى أحد وجوه التعثر الذي تشهده البلاد


ما يحصل هو أن المشاورات حول قانون الانتخاب لم تفض بعد إلى إقرار القانون، لكن ليس هذا هو جوهر المشكلة فحسب. فما أنتجته الحوارات الدائرة من تباينات ومن قفز في المجهول، من خلال تعددية المشاريع، أغرق البلاد في متاهات كانت في غنى عنها، وأوصلتها الى حائط مسدود، بعدما كشف كل فريق سياسي حقيقة نياته تجاه الآخر. والمناصفة الفعلية سبق للدستور أن ثبّتها في مواد يراد لها أن تعدل، تماشياً مع قانون نسبي لا يؤمن حكماً للقوى المسيحية التي تتبناه عدد النواب المسيحيين الـ 64 بأصوات الناخبين المسيحيين.
وإذا كان رئيس الجمهورية قد تحدث عن تمسك بالدستور وتوافق وطني لتعديل الدستور، فكيف يمكن التلويح بالتعديلات كلما اصطدم التيار الوطني الحر بعقبة ما، حتى لو كانت من أجل تحقيق المطالب المسيحية؟ وكيف يصبح اللعب بالدستور سهلاً الى حد المطالبة بتعديل مواد فيه، إذا لم تلبّ مطالب فريق سياسي، لمصلحة تعزيز موقعه السياسي وليس لمصلحة رؤية وطنية شاملة؟
ما يحصل في قانون الانتخاب ليس سوى أحد وجوه التعثر الذي تشهده البلاد. فأي إنجازات تحققت حتى الآن في البنود التي تحدث عنها خطاب القسم، ومعه أيضاً البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري؟ وهل هذه إنجازات حكومة قدّم رئيسها تنازلات سياسية من أجل أن يعود من خلالها الى السرايا الحكومية؟ أين أصبحت مشاريع الوزارات الإصلاحية، وأين التعيينات الإدارية والقضائية والدبلوماسية، ما دامت الحكومة حتى الساعة عاجزة عن تعيين رئيس لمجلس إدارة تلفزيون لبنان؟
أثناء تشكيل الحكومة، تقاسمت القوى السياسية الوزارات السيادية، وتعاطت معها على قاعدة أن هناك وزارات صف أول وصف ثانٍ. في الصف الأول السيادي، توضع وزارة الداخلية وأجهزتها المتعددة الوظائف، وعليها توضع المسؤولية في حفظ الاستقرار الداخلي، ومعها أيضاً تكون مسؤولية الحكومة والعهد في الحفاظ على الأمن. يفرد عون عبارات عدة في خطاب القسم للاستقرار الأمني، فاصلاً بينه وبين الإرهاب ويدعو الى «تنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء»، مؤكداً ضرورة أن «تستعيد الدولة وقارها وهيبتها».
وإذا كانت سمة المرحلة الاستقرار الأمني فلا ينزلق الوضع الى تدهور واسع بالمعنى الذي نشهده في دول مجاورة، مع بقاء التهديدات الإرهابية على أشدها، فإن ما يحصل من تفلت أمني يومي، يكاد يؤسس لحالة أمنية لا يمكن تجاوزها بسهولة. وبعيداً عن العمل اليومي للأجهزة الأمنية التي تسعى الى محاربة التنظيمات الإرهابية، أي هيبة ووقار للدولة في وقت تعم فيه لبنان حالة من الفوضى الأمنية وتتضاعف في شكل مطّرد حوادث القتل والثأر اليومية، من بيروت الى البقاع وعكار والجنوب؟ وأي تجاوزات تضبط، وقتلى حوادث السير في لبنان في ارتفاع يومي وسط غياب تام للأمن المختص، والشاحنات والسيارات تمعن في حصد الضحايا؟ هل تكفي حفلة الاستنكار السياسية لشخصيات ونواب ووزراء، الذين يفترض بهم أصلاً أن يعملوا لمنع هذه التعديات، لا أن يستنكروا، وملاحقة الأجهزة للقبض على المجرمين، في ظروف معروفة، في تعويض الأداء الفاشل لوزارة الداخلية في ضبط حالة التفلت الكاملة للأمن في الداخل اللبناني؟ وهل يمكنُ الحكومةَ أن تكون مشغولةً الى هذا الحد بالإصلاحات الموعودة، ولوزير الداخلية أن يكون مشغولاً بتحليل القضايا الإقليمية والدولية، وهل يمكنُ العهدَ أن يكون منصرفاً الى استقبالات يومية في قصر بعبدا، فلا يلتفت أي منهم الى الأمن الفالت، إلا مع ظواهر نافرة، كما حصل أمس، وسقوط اللبنانيين بالعشرات، ليس بعمليات إرهابية بل بأعمال قتل فردية وثأر وخلاف على أفضلية المرور؟ ألا يستحق الأمن الفالت، والسلاح الفردي والقتل بالرصاص الطائش والمقصود، اجتماعاً أمنياً طارئاً، على غرار المجلس الأعلى للدفاع، الذي يلتئم حين تتعرض «البلاد للخطر»، فهل هناك خطر أكبر من الذي يحصل حالياً؟
بين قانون الانتخاب والأمن الفالت، ينحاز اللبنانيون حكماً الى معالجة الأمن، كأولوية، والكلام عن الأمن وسقوط الضحايا يومياً، هو جوهر الكلام السياسي، تماماً كما الحديث عن قانون الانتخاب. والعهد مطالب بتأمين كليهما، لأن هذا ما وعد به في خطاب القسَم.