لا وقت للبحث في أسباب ما وصلنا إليه. فليُكمِل المُنظّرون عملهم. لن نُزعجهم... نحن الذين لا نريد أن نُقتَل عبثاً. نحن الذين نخشى أن يترجّل أحدهم مِن سيّارته، أو درّاجته، أو يَبتعد عن عموده الذي يسنده، ليأتي إلينا ويضع رصاصة في جماجمنا. نحن الذين نُحاذِر أن نُغضِب أحدهم فوق غضبه، ولو سهواً، فيُحيلنا، بخنجره، جثثاً ممزّقة. أن نُصبح خبراً لجثّة عُثِر عليها في مكان ما.


نحن الذين نزفر مع نهاية كلّ يوم، عند النوم، زفرة مَن نجا مِن القَتل. نحن الذين لم نحمل السلاح الفردي بعد، والذي، إن حملناه، فإمّا قاتل وإمّا مقتول. إمّا السجن وإمّا القبر. صفقة نُدرِك أنّها خاسرة. نحن الذين نعرف أننا نعيش في اللادولة، ومع ذلك، يا لطمعنا، نسعى لأن نبقى على قيد الحياة. نحن «الجبناء».
إن أطلق أحدهم بوق سيارته بقوّة، خلفك، ورأيته بالمرآة يُتمتم، أو يُزمجر، فافسح له الطريق. لا تُجادله. إن شتمك، لا بأس، مدّه بابتسامة خفيفة. دعه يعتقد أنّك حشرة. دعه يَشعر بالنصر. هذا كلّ ما يُريده. لكن تذكّر، إيّاك أن ترسم على وجهك تلك الابتسامة الصفراء، الساخرة، لا، هذه خطر عليك، وهو، وإن كان جاموس الطبع، إلا أنّه يَفهم هذه الأمور. قد يترجّل لك.


نحن الذين نعرف أننا نعيش في اللادولة ومع ذلك يا لطمعنا نسعى لنبقى على قيد الحياة

تذكّر دائماً أنّه ربّما يجلس فوق مدفع صغير. قطعة معدنيّة كفيلة بإنهاء الصِدام قبل أن يبدأ. إنّه الأقوى. كن جباناً... تَسلَم. إن تهوّرت مرّة، بعدما شعرت بحكّة في كرامتك، وأصبحت تلك الحديدة مصوّبة نحو رأسك، فحذار مِن تلك الجملة البلهاء: «إن كنت رجّال قوّص». إنّك لا تعلم، قد «يقوّص» فعلاً، وعندها أنت الوحيد الذي لن يَعلم إنّ كان «رجّالاً» أم لا. قل له: بأمرك. لا بأس أن تعتذر مِن اللاشيء الذي فعلته. طيّب خاطره. ليس مهماً مع مَن الحقّ في هذه اللحظة. ملاحظة: قد يتوجّب عليك المزيد مِن التذلّل إن كنت تواجه سائق «فان». هذه وحدها حكاية يطول سردها. أمّا السيّارات ذات الزجاج الداكن، الذي تراه ولا ترى مَن خلفه، بينما هو يراك، كمهووس في لعب دور الإله، فهذا على الأرجح أنت تعرف خطره. دعه يمر دعه... يَربح.
إن كنت تسكن في منطقة مكتظّة، عشوائيّة أو تكاد، بل في أيّ منطقة أخرى... ثم أردت أن تقف قليلاً على الشرفة، ورأيت مجموعة مِن الشبّان في الأسفل، فحاول ألا تجعلهم يعتقدون أنّك تنظر إليهم. يتضاعف الحذر إن كانوا يرتدون «البروتيلات». الجلوس على كرسي الشرفة أكثر أمناً. دعك مِن الوقوف. الكرسي كافية لتجعلك تسرق ما بقي مِن نافذة السماء. إن كان الوقت ليلاً، وسمعت «خرطشة» السلاح، مِن أولئك الشبّان أنفسهم، في ساعة لهوهم، فدعك مِن الشرفة أصلاً. هرول نحو غرفة نومك. ادخل الحمّام. شاهد فيلماً سخيفاً، أيّ فيلم، هذا أفضل مِن أن تطالك رصاصة مِن تحت بـ»الغلط». بالتأكيد أنت لا تُريد ميتة تافهة كهذه. حصل هذا لغيرك.
إن كنت موظفاً في مطعم، ثمّ جاءك زبون، ثقيل النفس، فلا تزعج خاطره بعدم تلبية طلبه بدقة. قد يقتلك. هذا حصل أخيراً. لا تنس أنّ «ربّ عملك» يعتبر الزبون دائماً على حق. فما بالك الآن وأنت أمام زبون يَستمرئ القتل! ابتعد عن المناسبات الجماعيّة قدر الإمكان، الأفراح والأتراح، حيث رصاص الابتهاج والغضب والعدم. في مواعيد صدور نتائج الامتحانات الرسميّة حاول أن تأخذ إجازة ليومين أو ثلاثة. ابتعد نحو بحر أو نهر أو غابة. لا بأس بالتخييم بعيداً. قد تموت لأنّ فتى أهبل، أو غالباً سيُصبح، نجح على الحافة في الشهادة المتوسّطة، أو نجح بواسطة، فقرّر والده إطلاق النار فرحاً بإنجاز «وليّ عهده».
إن وضع أحدهم سكينه فوق كليتك، أو مسدّسه في ظهرك، أو أيّ مكان آخر، وطلب منك هاتفك ومحفظتك وساعتك وكلّ ما تحمل، فلا تعارضه. اعطه ما أراد. هذا قد يحصل معك في سيارة أجرة ذات لوحة مزوّرة. في الشارع وأنت تمشي ليلاً. في أيّ مكان. حاول ألا تتنقّل في الأمكان غير المضاءة. مِن المفيد أثناء مشيك أن تُحدّد، دوماً، أماكن يُحتمل وجود أشخاص لم يناموا بعد، فتركض نحوها إن أوقفك أحدهم وكان لك فرصة. محطّات الوقود تنفع مثلاً. عموماً النتيجة ليست مضمونة. إن انعدمت السبل فلا تُقاوم. فليكن ما أراد. لاحقاً إن أحببت أن تقصد القوى الأمنيّة للتقدّم ببلاغ، فلا ضير، لك أن تُحبّ ذلك. نجاتك مِن تجربة كهذه ستجعلك أكثر لطفاً مع جارك اللئيم، المتنمّر، المدعوم، حتى ولو سرق الماء مِن خزّانك أو «علّق» على ساعة كهربائك أو استولى على «صفّة» سيارتك. إنّهم يتكاثرون. مع الوقت ستُصبح خبيراً في «فنّ» النجاة مِن القتل الرخيص. ليس الآن للبحث في كيف أصبح أولئك كذلك. مَن الضحيّة ومَن الجلاد. كلّ هذا يُصبح ترفاً، بلا معنى، إن نجح أحدهم في نقلك إلى حيّز العدم. في بلادنا، يُمكن أن تُقتل بأرخص ما يكون، كجرذ فوق قمامة، رغم أنّك وددت يوماً أن تموت، إن كان لا بد، على يد نخبة جيش عدوّك في مواجهة مشرّفة.
عندما يقع «السنافر» في ورطة مميتة، وهذا يحصل دائماً، طالما أن «شرشبيل» هناك، فإنّ «بابا سنفور» يصرخ فيهم: «سنفروا بحياتكم». المُهم الآن النجاة. بعد ذلك لكلّ حادث حديث. لنتعلّم الآن كيف «نُسنفر» بحياتنا... ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.