يبدو أن إحدى أبرز مشكلاتنا الأساسية، كلبنانيين، أن أمرنا بأيدي بعض المسؤولين القدماء أو الوافدين الذين لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يريدون أن يقتنعوا. وفي الحالات الثلاث، يعمد هذا البعض الى استيلاد الطائفية بين الحين والآخر من رحم الحقوق المهضومة، أو ادعاء الإقصاء أو التباكي على الخلل في التوازن الديمغرافي وما شابه.


وهو، في الواقع، إنما يهدف الى تثبيت موقعه أو توفير موقع جديد لنفسه، بعدما يكون قد نجح في تقسيم الناس طائفياً. ولعل أعمق توصيف لهذه الحالة يتمثل في ما عبّر عنه الإمام السيد موسى الصدر عام 1970 حين قال: «الطائفية ما وضِعَت كدينٍ قائدٍ للحكم ولكن كتقسيم للناس. وعلى هذا الأساس، فالطائفية في لبنان بحث سياسي وليست بحثاً دينياً».
لا شك في أن التعبير عن الهواجس أمر مشروع ومُصَانٌ في الدستور والأعراف. لكن معالجة هذه الهواجس في الحالة اللبنانية تمر عبر طريقين: الأول يتمثل في التمسك بميثاق العيش المشترك، وهو الميثاق الذي حكم تاريخياً علاقات المجموعات المتنوعة التي تكوَّنَ منها لبنان لاحقاً، وهو السقف العُرفي ــــ الإنساني الذي رفعه الدستور في مقدمته الى مرتبة اعتماده حداً فاصلاً حول ما يمكن تطبيقه من هذا الدستور ومن القوانين بما لا يتناقض معه. غير أن التعاطي مع هذا الميثاق لقياس ما يمس العيش المشترك وما لا يمسه أمر حساس ودقيق يحتاج الى حكماء يمتلكون ميزاناً وطنياً غير طائفي يزنون به الأمور. وبسبب ندرة توافر هؤلاء الحكماء دائماً، تقدمت صيغة «التوافق» كآلية يُحتكم إليها عند الخلاف على أيّ من الأمور المصيرية أو التي تَقْرُب منها. هذه الصيغة التي تمنح فئات المجتمع اللبناني كافة الاطمئنان وتمنع غلبة فئة على أخرى. وقد اعتُمِدَت هذه الصيغة معظم السنوات الماضية بعد تعذر التزام الأطراف السياسية النافذة في السلطة بتطبيق الدستور، وبعد تنامي الخلافات حول تفسير بعض مواده الملتبسة أو التي تحتمل أكثر من تفسير، وفقاً لاجتهادات الفقهاء!
أما الطريق الثاني فيمر عبر السعي الى تطبيق المواد الواضحة من الدستور، وخصوصاً منها تلك التي نصّت على آليات لا لبس فيها لإنجاز إصلاحات جذرية في النظام الطائفي ــــ السياسي بما يقود الى النفاذ لتكريس هذا الدستور، بدلاً من المراوحة في المرحلة الانتقالية التي ما زلنا نعيش فيها منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني حتى يومنا هذا.
إن إحساس بعض قيادة التيار الوطني الحر بفائض السلطة بعد وصول العماد ميشال عون الى سدة رئاسة الجمهورية، ومحاولة استثمار هذا الفائض في إيهام شريحة من الشعب اللبناني بإمكانية فرض تعديلات دستورية تمس جوهر الإصلاحات التي كان وما زال هذا الشعب بأكمله يأمل وينتظر من الرئيس عون نفسه وضع أجندة زمنية محددة لإقرارها، هذه المحاولة كادت تجهض مسيرة العهد الرئاسي الجديد قبل أن تبدأ، وإن كانت ستترك عليه ندوباً بارزة، خصوصاً إذا لم يتم الفصل الفعلي بين ما وعد به الرئيس عون اللبنانيين كافة، وبين ما يطمع به هذا البعض الذي حاول ويحاول أن يكون موقع رئاسة الجمهورية معبراً له لتكوين نفوذٍ سلطوي، بدل أن يكون التيار ومعه القوى الأخرى الحليفة التي شكلت رافعة الرئاسة عدة شغل هذه الرئاسة لحماية الدستور وتطبيقه، والانتقال من خلاله لإصلاح السلطة ومكافحة الفساد واستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة، عبر إقرار وتنفيذ خطط اقتصادية ــــ اجتماعية ــــ خدماتية تريح المواطن اللبناني من الأعباء والهموم التي تراكمت على كاهله منذ أكثر من عشرين عاماً.
إن قراءة بسيطة بوعي وطني وبدون نيات شعبوية لبعض مواد الدستور، وخصوصاً المادتين 22 و24 اللتين كان يراد تعديلهما بهدف التفاخر بالحصول على ضمانات سياسية، هذه القراءة كانت ستوفر على اللبنانيين تأجيلاً طويلاً لموعد إجراء الانتخابات النيابية، وتباعاً تمديداً طويلاً لمجلس النواب الحالي، على أمل أن لا تتحول تأخيراً في إطلاق مسيرة الإصلاح المنتظرة الى ما بعد حصول تلك الانتخابات.
إن العقلانية في مقاربة الواقع السياسي بعد التقدم البارز في التوافق على مشروع قانونٍ للانتخابات النيابية على أساس النسبية الكاملة، وإسقاط إمكانية تلغيمه بآليات طائفية، تفرض على التيار الوطني الحر، كما القوى السياسية كافة، اعتبار هذا الإنجاز انتصاراً للبنان وللبنانيين أولاً، وحماية للعهد الرئاسي ثانياً، والأهم عدم الانتقال الى ادعاء تحقيق انتصارات في مواقع أخرى حفظاً لماء الوجه!
* المدير العام السابق لوزارة الإعلام