ولد للشوف أخيراً زعيم جديد. يصعب تحديد مكان الولادة لحصولها في المختارة والرابية ومعراب وبيت الوسط في الوقت نفسه، لكنه زعيم كامل ما على الرأي العام سوى مواصلة رفع معنوياته عبر القول له إن حنكته السياسية تثبت أنه من شحم الرئيس كميل شمعون ولحمه. ففجأة تقرر في معراب إعادة ملف قانون الانتخابات إلى النائب جورج عدوان بعدما كان قد سحب منه قبل عدة أشهر.


وفجأة، أيضاً، بات رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، مستعداً للتنازل لغيره عن تسجيل براءة اختراع قانون الانتخابات باسمه قبل أن يتراجع عن هذا التنازل قبل يومين. وفجأة بات النائب وليد جنبلاط يسمح باجتماع أربعة أو خمسة شوفيين خارج المختارة، فأشار بإصبعه لرؤساء بلديات الشوف لتلبية دعوة عدوان إلى لقاء موسع لبحث مطالب الشوف الإنمائية. واستكمالاً للمفاجآت، كان لا بدّ أن يصدق عدوان نفسه فيترأس اجتماع العونيين في منزله ويهرع إلى عقد اللقاء الإنمائي لاكتشاف مطالب الشوفيين الذي كان يفترض أن يعقده عند انتخابه نائباً قبل 12 عاماً، وليس قبيل أسابيع من انتهاء ولايته الممددة غصباً عنه طبعاً. علماً أن مصادر حركة أمل تتحدث عن نائب القوات اللبنانية كما لو أنه نائب مشترك بين كتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة. باختصار، يمكن القول إن أحداً لا يحظى بالإجماع الذي يحظى به عدوان اليوم.


نسبة التأييد للقوات وجنبلاط والتيار وشمعون مجتمعين لا تتجاوز 50 في المئة



وفي موازاة بزوغ نجم عدوان، كان أحد زملائه الشوفيين يقوم من السبات. فخلال الأسابيع القليلة الماضية اكتشف نعمة طعمة أنه نائب أيضاً وينبغي له الحفاظ على كرسيه، فاندفع لترميم وتأهيل المقر الصيفي لمطرانية صيدا ودير القمر في دير القمر، واضعاً أحد الحسابات المصرفية الصغيرة في تصرف كنائس الشوف لتأخذ فوراً ما تشاء. والنائب الذي نادراً ما التفت إلى الأوضاع المحلية بحكم انشغاله في إدارة أعماله الممتدة من فقرا إلى جدة وصياغة أبيات الشعر الاسترضائيّ للأمراء السعوديين بات يصدر الموقف تلو الآخر لمعارضة النظام الانتخابيّ التأهيلي الذي يضرب، وفق طعمة، مصالحة الجبل. كذلك، باتت الأوضاع الاقتصادية المزرية والبطالة المستشرية تستوقف سعاته وفق بياناته.
علماً أن عدوان وطعمة يكادان يصنفان في خانة عدة العمل الجنبلاطية في الشوف، لكن أرقام الاثنين وسط المستطلعين المسيحيين تحديداً لافتة. فردّاً على سؤال شركة «غلوبل فيجن» في استطلاعها الأخير للمستطلعين المسيحيين حصراً في قضاء الشوف بشأن الشخصية التي يعتبرونها مرجعيتهم السياسية، قال 50.6 في المئة من المستطلعين: «لا أحد»، وهي نسبة كبيرة جداً لا توازيها نسبة مماثلة في أي قضاء آخر، ما يعكس حجم الاستياء الشعبي من كل الأفرقاء السياسيين. في ظل تأكيد المرشح العونيّ غسان عطالله أن الوجوه المرحبة فيه تتحول إلى صفراء حين يتطرق في حديثه إلى الأحزاب والعمل الحزبيّ التقليديّ.
في الاستطلاع، يحلّ عدوان أولاً كالشخصية التي يعدّها المستطلَعون المسيحيون مرجعيتهم في قضاء الشوف، لكن بنسبة 8.8 في المئة فقط، يليه حزب القوات اللبنانية بنسبة 7 في المئة، ثم – مفاجأة أخرى – النائب وليد جنبلاط بنسبة 6.6 في المئة ومن بعده التيار الوطني الحر (6.4)، فالمرشح ناجي البستاني (2.6)، ثم الوزير العوني السابق ماريو عون (1.8)...
وبالعودة إلى الأساس: نصف المستطلعين يقولون إنهم لا يعتبرون أن هناك أحداً يعبر عنهم ليكون مرجعيتهم السياسية، فيما يتقاسم جميع الأفرقاء السياسيين نصف المستطلعين الآخرين. ولدى إفساح شركة الاستطلاع المجال أمام المستطلعين لتسمية ثلاثة مرشحين موارنة، يسمي 35.4 في المئة النائب عدوان، و20.5 في المئة ماريو عون، 12.2 في المئة دوري شمعون و10.8 في المئة ناجي البستاني. وبعد إلزام المستطلعين بلائحة أسماء محددة ترتفع نسبة عدوان إلى 46 في المئة، وعون إلى 37.17 في المئة والبستاني إلى 21.36 في المئة وشمعون إلى 15.81 في المئة. وهذا يؤكد أن نسبة التصويت للطبقة السياسية ترتفع حين لا يجد الناخبون خيارات بديلة. فعيّنة المستطلعين نفسها، يقول 8.8 في المئة منها إن عدوان يمثل المرجعية السياسية الشوفية بنظرها حين تسأل عن مرجعيتها السياسية. لكن حين يطلب منها اختيار مرشحها إلى الانتخابات من ضمن لائحة مقفلة ترتفع نسبة تأييد عدوان إلى 46 في المئة. وبالانتقال إلى سؤال المستطلعين عن الشخصية التي يرشحونها عن المقعد الكاثوليكي، يقول ما مجموعه 61.4 إنهم لا يعلمون أو لا أحد، وهي نسبة خيالية في إظهارها ضعف المرشحين الكاثوليك وعدم تسويقهم أنفسهم بين الناخبين. أما النائب طعمة، فيحل أولاً بما مجموعه 11.6 في المئة فقط، يليه غسان مغبغب (5.8)، ثم غسان عطالله (5)، فيما 2.8 في المئة يقولون إنهم مع مرشح التيار الوطني الحر أياً كان، ما يجعل عطالله قريباً جداً من طعمة، رغم كل مال الأخير وكرمه المستجد. واللافت جداً أن المستطلعين غالباً ما يقولون: «لا نعلم» أو «لا أحد» حين يطلب منهم تسمية مرشح، لتعود نسبة «لا أحد» وتنخفض حين تعرض عليهم لائحة أسماء، لكن في حالة المقعد الكاثوليكي في الشوف يبقى مجموع نسبة «لا أحد» و«لا أعلم» 30.4 في المئة.
بالتالي يمكن القول إن تحالف أفرقاء الشوف السياسيين لا يمكن أن يؤمن لهم معركة سهلة بعد اعتماد النظام النسبي: نسبة التأييد للقوات وجنبلاط والتيار الوطني الحر والنائب دوري شمعون مجتمعين لا تتجاوز 50 في المئة، فكيف الحال وهم منقسمون على أنفسهم كما هم اليوم. أما في الإقليم، فلم يكن تيار المستقبل يوماً كما هو اليوم، مع أن نفوذه في الإقليم بقي دائماً أضعف من سائر المناطق. علماً أن مرشحين مثل ناجي البستاني قادرون على تأمين الماكينة للائحة المجتمع المدني وكل ما تحتاجه من تقنيات انتخابية ضرورية، فيما أثبت شباب برجا في استحقاقات سابقة أنهم أكثر تنظيماً والتزاماً ووحدة صف من معظم الأحزاب.
عليه استولد النظام السياسي للشوف زعيماً جديداً أخيراً، ولم يعد النائب طعمة يسأل عما يسقط من جيبه، وهناك استحقاق توريث تيمور جنبلاط، ولن يرفع العونيون سقف مطالبهم كثيراً. لكن هذا كله لن يؤدي إلى معركة شوفية سهلة. يمكن القوى السياسية أن تؤمن للنائب وليد جنبلاط الطمأنات التي يريدها، لكن استطلاعات الرأي ومناخ الشوف العام والمهرجان الجنبلاطي الأخير لا يفترض أن تُطمئن البيك.