لم تفرغ الأحزاب وحدها بعد الحرب من الأنظمة الداخلية ومن الانتخابات ومن التداول الطبيعي للسلطة؛ ما شهدته الطوائف كان مماثلاً لما شهدته الأحزاب. في الطائفة الأرثوذكسية مثلاً، كان ثمة قانون (يعرف بقانون 55) ونظام داخلي مصدق عليه في مجلس النواب يسمح لكل من رجال الدين والأرثوذكس العاديين بإدارة شؤون طائفتهم، لا بل كان يصار إلى انتخاب المطارنة أنفسهم من قبل الناس العاديين.


إلا أن بداية الحرب علقت العمل بالقانون، وصار بعض المطارنة داخل أبرشياتهم الآمرين الناهين، من دون مشاركة أحد أو أخذ رأي أحد في الاعتبار.
الامتداد الأكبر لبطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس هو في سوريا، حيث تتراكم التحديات أمام هذه الطائفة التي لم يمض بعد سوى أيام قليلة على إعادة بطريركها يوحنا العاشر افتتاح مطرانية حمص بعد ترميمها. وبموازاة الأزمة السورية، هناك قلاقل داخلية لدى بعض وجوه الطائفة في لبنان. حتى الخطوات الإيجابية، يثار الكثير من الكلام عنها في الصالونات كاستحداث مطران بيروت الياس عوده جامعة خاصة في بيروت، في مقابل استحداث البطريركية مستشفى في الكورة، واقتطاع البطريركية مبالغ كبيرة من مداخيل البلمند لإنفاقها في إعادة إعمار الكنائس السورية (وهي خطوة مطلوبة في سياق السعي إلى تثبيت أبناء الرعية في بلداتهم ومدنهم).
ما تقدّم لا علاقة له بالصوت المعترض الجديد. فبعد «وأد» اللقاء الأرثوذكسي والجبهة الأرثوذكسية وتراجع نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي عن وعده بـ«عدم السكوت مجدداً» عما يحصل، خرج بيان موقع من عشرات الأشخاص كان عبارة عن «كتاب مفتوح إلى المجمع الأنطاكي» الذي انعقد الأسبوع الفائت، تضمن إشارة إلى «المشاكل التي تكبر وتتضخم وتنخر جسم الكرسي الأنطاكي الأرثوذكسي»، مطالباً بـ:
ــ العمل بصورة جدية على إدارة الأوقاف الموهوبة من قبل أجدادنا لتثبيت الأرثوذكسي في أرضه وتأمين مسكنه وطبابته وتعليمه.
ــ إيجاد حلول للأساقفة غير القادرين على ممارسة المسؤولية (لأسباب صحية أو غيره) واستبدالهم بآخرين متميزين ليس فقط بالإيمان والعلم، بل بالإدارة الحسنة، ووضع حد لتحول بعض الأساقفة الى معصومين لا يقبلون المراجعة بقراراتهم، ما سيؤدي إلى جعلهم أساقفة على الحجارة فقط.
وفي حديثه مع «الأخبار»، يتجاوز أحد الموقعين ــ المحامي لطف الله خلاط – لغة البيان الدبلوماسية ليقول إن «من حق المواطنين أن يعرفوا كيف تنفق أموال طائفتهم ولماذا»، و«لا بدّ من وضع حد لتحويل المحاكم الروحية إلى مراكز ابتزاز وتجارة». ويشير خلاط إلى «وجود مطارنة لا تسمح لهم حالتهم الذهنية والصحية بالحكم، لكنهم يواصلون التفرد في الحكم». ولا يخفي المحامي الشماليّ تمنّيه لو أخذ المجمع الأرثوذكسي برسالتهم، ودعا ممثلين عنهم لمناقشة بعض الأفكار بدل أن يكتفي كعادته بدعوة الجهات الرسمية نفسها التي يهمها تبييض وجهها مع المطارنة بدل إسماعهم ما ينبغي قوله. فالمجمع الذي يفترض به العمل على الاستفادة من غيرة هؤلاء لاستقطابهم مجدداً والاستفادة من حماستهم في ورشة إعادة إعمار الكنيسة السورية حجراً والكنيسة اللبنانية بشراً تجاهلهم بالكامل، مفضلاً الاستماع إلى نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني والوزيرين السابقين نقولا نحاس وطارق متري والنائب غسان مخيبر، من دون تحديد الفائدة المرجوة من تخصيص مساحة لسماع هؤلاء، وخلصوا إلى مجموعة عبارات تقليدية باستثناء المطالبة بإيقاف الحصار المفروض على الشعب السوري. وعليه، يمكن القول إنه لا نية بطريركية للتوقف عند الملاحظات التي أثبتت الاستحقاقات السابقة أن أصحابها لا يصمدون كثيراً في المطالبة بها، وسرعان ما ينشغلون بأمور أخرى ثم يستفيقون مجدداً قبل بضعة أيام من انعقاد المجمع. وهو ما ينفيه المعترضون الأرثوذكس اليوم، مؤكدين أن لديهم روزنامة أنشطة اعتراضية في جميع المناطق اللبنانية لأن الكاثوليك والموارنة بإمكانهم اللجوء إلى الفاتيكان للضغط على البطريركيات، أما الأرثوذكس فليس لديهم أحد. وهم سيجمعون التواقيع لتحويل حركتهم من نخبوية إلى شعبية، ولا شيء لديهم ليخسروه: «أكثر شي، لا يجوّزونا ولا يجنّزونا».