لم تخب التوقعات منذ إقرار قانون الإيجارات الجديد. منذ البداية، خرجت أصوات قضاة وقانونيين وحقوقيين تحذر من أنه يؤسس لفوضى «تشريعية» في واحد من أهم مجالات حقوق الإنسان، وهو السكن. أقر مجلس النواب القانون، مراعياً لمصالح الملّاك الكبار والشركات العقارية الساعية إلى الاستيلاء على الأبنية القديمة.


لم تنفع الاحتجاجات والمطالبات بقانون عادل يستند إلى أولوية حق السكن ومسؤولية الدولة في تأمينه وضمانه. طُعن في القانون لدى المجلس الدستوري، إلا أن هذا المجلس تلكأ عن دوره واكتفى بإبطال بعض المواد من دون إبطال القانون نفسه. اضطر مجلس النواب إلى إدخال تعديلات طفيفة على المواد المبطلة، فيما الحكومة تتقاعس عن التزام توفير الدعم للمستأجرين، بحسب أحكام القانون... هذه الفصول لم تنته بعد، فالقانون، الموصوف باستهتاره، لا يزال غير قابل للتطبيق، وها هي محكمة الاستئناف المدنية في بيروت تعلن، في قرار لها، أن القضاء العدلي غير مخوّل بالبت بأكثرية الدعاوى التي نتجت من تطبيق القانون الجديد، بسبب عدم تشكيل اللجان ذات الطابع القضائي التي نص عليها.

قرار المحكمة

في 12/6/2017، أصدرت المحكمة الاستئنافية المدنية في بيروت، الغرفة الحادية عشرة، برئاسة القاضي أيمن عويدات، قراراً رأت فيه أنّ على القضاء العدلي أن يردّ دعاوى الإيجارات المتعلّقة بتطبيق الزيادات على بدلات الإيجار، لعدم صلاحيته، نظراً إلى أن البت بالنزاع بين المُستأجرين القدامى ومالكي الأبنية المؤجرة بات، وفق ما ينص قانون الإيجارات الجديد، من صلاحية اللجنة، التي بحسب القانون تمتلك الصفة القضائية، والتي من المفترض أن تتشكّل بموجب المادة السابعة منه.
تنص المادة السابعة من القانون، كما أقرّه مجلس النواب في 19 كانون الثاني الماضي، على ما يأتي: «تنظر في تطبيق الأحكام المُتعلّقة بتطبيق الزيادات على بدلات الإيجار لجنة ذات طابع قضائي مؤلفة من قاضٍ عامل من الدرجة الثالثة على الأقل أو قاضي شرف رئيساً يسميه وزير العدل وعضو يسميه وزير المالية وآخر يسميه وزير الشؤون». صاغت هذه المادة لجنة الإدارة والعدل، بعدما أبطل المجلس الدستوري في 6 آب عام 2014 صيغته الأصلية، التي كانت تنص على تشكيل اللجنة من قاضٍ عامل أو متقاعد رئيساً ومن أربعة أعضاء، يمثل أحدهم المالكين، والثاني المستأجرين، والثالث تنتدبه وزارة المالية والرابع تنتدبه وزارة الشؤون، إذ اعتبر المجلس الدستوري أنها لا تمتلك الصفة القضائية، وبالتالي تخالف أحكام الدستور.
على الرغم من مضي 5 أشهر تقريباً على نشر القانون المعدّل في الجريدة الرسمية، لم يجر تشكيل اللجان القضائية بعد، وإذا أُرسي قرار محكمة الاستئناف المدنية كاجتهاد تعتمده بقية القضاة، وهذا ما يحصل عادة، فإن الكثير من دعاوى الإيجارات سيجري تعليقها بحكم أن غالبية الدعاوى قائمة على مهمات تلك اللجان، ما يعني أن القانون «سيبقى مُعلّقاً بالنسبة إلى غالبية المُستأجرين حتى إنشاء اللجان القضائية»، وفق ما يقول مصدر قانوني مُطّلع.
قرار القاضي عويدات عدّه بعض القانويين مُفاجئاً، فالقاضي نفسه سبق أن أصدر في 2 تموز عام 2015 قراراً أعطى فيه القاضي المنفرد المدني صلاحية اللجنة المبطلة آنذاك، وبالتالي منح القاضي اختصاص النظر في النزاعات المتعلّقة بقيمة الزيادات على بدلات الإيجارات بين المالكين والمستأجرين ليحسم حينها مسألة نفاذ القانون، «وها هو اليوم تقريباً يُعلّق تنفيذه»، على حدّ تعبير المصدر نفسه.

القانون معلّق

لماذا سيكون القانون مُعلّقاً بالنسبة إلى غالبية المُستأجرين؟ يقول المحامي ناضر كاسبار في مقال له (منشور في الديار أمس) تعليقاً على قرار المحكمة، إن الأخيرة «اعتبرت أنه على أثر صدور قرار المجلس الدستوري الذي ألغى المادة 7 من قانون الإيجارات تاريخ 8/5/2014 كان يقتضي مراجعة القاضي المنفرد كونه المرجع العادي وأنه حالياً، على القضاء العدلي أن يرد الدعاوى التي أصبحت من صلاحية اللجان، لعدم الصلاحية، وذلك لعدم إمكانية التحويل الإداري بينه وبين اللجنة التي تتصف بصفة قضائية خاصة».


أكثرية الدعاوى تتعلق بالبت بالنزاع القائم بين المالك والمستأجر حول زيادة البدلات


بحسب القانون، تكمن مهمة اللجان القضائية في البت بالنزاع القائم بين المالك والمستأجر حول زيادة البدلات، وهو الجزء الأساسي من غالبية دعاوى الإيجارات. أيضاً، هذه اللجنة تنظر بطلبات المُساهمة بمساعدة المُستأجرين الذين لا يقل دخلهم الشهري عن خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، وبالتالي إن جميع الدعاوى التي تستند إلى مُساعدات الصندوق، تكون مُعلّقة بدورها.
ترى عضو «تجمّع المحامين المولجين الطعن بالقانون»، المحامية مايا جعارة، أن القرار لم يُعلّق القانون، لأن الأخير كان أصلاً معلقاً بالنسبة إلى شريحة كبيرة من المُستأجرين، وتلفت في اتصال مع «الأخبار» إلى أن حُكم القاضي عويدات أقرّ بالواقع الشائب المتمثل بغياب لجنة قضائية وبغياب إنشاء صندوق المساعدات، مُشيرة إلى أن تعليق القانون يعني عملياً أن المهل لم تسرِ بعد، كذلك الزيادات على البدلات لم تترتب بعد، فضلاً عن اعتبار جميع الدعاوى التي سبقت إقرار القانون بصيغته التعديلية مُعلّقة أيضاً.
كلام جعارة يتناقض مع ما يقوله رئيس نقابة مالكي الأبنية المؤجرة، باتريك رزق الله، الذي يرى أن القرار اعتبر أن تعليق مواد في القانون الجديد وتعديلاته يتناول المستفيدين من حساب الدعم فقط، وبالتالي إن مهل التحرير سارية، كما اعتبر القرار أن القانون تعديلي وليس قانوناً جديداً، ما يعني أن المهل تسري منذ 28/12/2014. وأشار رزق الله إلى أن القرار اعتبر أنّ على المالك أن يثبت عدم استفادة المستأجر من الحساب، «لتطبق عليه الزيادات التي تصبح مستحقة على بدلات الإيجار وغيرها من المواد غير المعنية بالحساب».
من جهته، يقول رئيس حركة المُستأجرين في لبنان أنطوان كرم، أن قرار عويدات يُعيد تصويب المسار عبر الاعتراف بأن القانون معلّق حالياً، وهو يأتي مخالفاً لما سبق أن أقرّه القاضي عويدات نفسه. يُجدد كرم رأي المُستأجرين بالقانون، معتبراً أن هذا القانون عليه أن يُستبدل به قانون آخر، لافتاً إلى أن أي عرقلة لتنفيذ القانون الحالي من شأنها أن تخدم قضية المُستأجرين في لبنان.

الصندوق معلق أيضاً

في معرض قراره، يقول القاضي عويدات أيضاً إن تطبيق نص المادة 34 من القانون التعديلي التي تنص على إسقاط حق المستأجر بالتمديد القانوني إذا لم يدفع بدلات الإيجار خلال مهلة الشهرين، «يُعلّق لحين تحقق مضمون نص المادة 58، أي لحين إنشاء الصندوق المتعلق بمساعدة المستأجرين».
وكان المجلس النيابي عندما أقر القانون، قد أضاف المادة 58 التي تتعلّق بإنشاء حساب لدعم المُستأجرين القدامى الذين لا يتجاوز دخلهم خمسة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور، على أن لا تطبّق أحكام القانون على هذه الفئة من المُستأجرين «إلى حين إنشاء الصندوق وإيجاد آلية لتمويله خلال الأربعة أشهر المُقبلة».
مضت نحو خمسة أشهر على إقرار القانون، من دون أن تتضح بعد آلية واضحة لتمويل هذا الصندوق. وبالتالي، وفيما قد يستغرق إنشاء الصندوق وقتاً أيضاً، فإن القانون سيبقى غير نافذ بالنسبة إلى الفئة المُستفيدة منه.
اللافت هو ما يُشير إليه رزق الله في هذا الصدد، وهو أن وزارة المال أنشأت الحساب «ورصدت له مبلغ 30 مليار ليرة، وأنشات لجنة لإدارته، كذلك اختير القضاة لرئاسة اللجان، وعددها 24 لجنة في المحافظات، 5 منها في بيروت، وقد أعلن ذلك وزير العدل في بيان، ونحن في انتظار اختيار مندوبين من وزارتي المال والشؤون الاجتماعية لإصدار مراسيم تعيين اللجان في مجلس الوزراء». تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تقرير الوزارة قدّر تكلفة إنشاء الصندوق بنحو 1.5 مليار دولار. حينها، أشار التقرير بوضوح إلى عجز الخزينة عن تحمّل هذه التكلفة. يقول كرم في هذا الصدد إن الـ30 ملياراً مبلغ لن يغطي المُساعدات المطلوبة، لافتاً إلى أن هذه الحلول الترقيعية لن تحلّ أزمة السكن لدى المُستأجرين.
وكانت نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة قد ناشدت في بيان، وزارتي المال والشؤون الاجتماعية تسمية مندوبين لها في اللجان التي شكلها وزير العدل برئاسة قضاة، «خصوصاً بعد مضي أربعة أشهر على صدور التعديلات ونشرها في الجريدة الرسمية».
هذا الواقع يُعيد طرح معضلة قانون الإيجارات الجديد و«يُحيي» الجدل الذي رافق القانون منذ صدوره عام 2014 بسبب تنصّل الدولة من مسؤولياتها عن حق السكن واتخاذ موقف واضح إزاء هذه القضية. حتى الآن، يبدو أن الدولة ماضية في سياسة التنصّل هذه، عبر ترك الأمور «مُعلّقة».