اعتبرت مصادر متابعة لملف «كازينو لبنان» أن الادعاء على رئيس مجلس إدارة كازينو لبنان السابق، حميد كريدي، وإحالته على قاضي التحقيق في جبل لبنان، القاضي ربيع حسامي، يعني أن المدعي العام في جبل لبنان، القاضي كلود كرم، «وجد في هذا الملف شبهات جدّية تستدعي البدء بملاحقة كريدي ومن يظهره التحقيق ضالعاً في عمليات غير قانونية جرت في الكازينو».


وتوقعت هذه المصادر أن تسهم التحقيقات في الكشف عن المتورطين في هدر الأموال العامّة والخاصّة في هذا المرفق، وذلك خلال فترة تولي كريدي رئاسة مجلس إدارة الكازينو بين عامي 2009 و2017، ولا سيما أن جلسات الاستماع الأولية، أمام المدّعي العام في جبل لبنان، التي شملت كريدي وعدداً من المديرين الحاليين والسابقين، أظهرت تناقضات واسعة في الأقوال، وكشفت تفاصيل كثيرة تستوجب توسعاً في التحقيق للتثبّت منها.
وكان وزير العدل، سليم جريصاتي، قد أحال كتاباً على النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود، في مطلع شباط الماضي، بموجب المادة 14 من أصول المحاكمات الجزائيّة. وعمد حمود إلى إحالة هذا الكتاب على كرم بوصفه المدّعي العام ذا الصلاحيّة المكانيّة. وأثار جريصاتي في كتابه مجموعة من الدعاوى المُقدّمة بحق كريدي (أغلبها قدّمها المحامي وديع عقل ويطلب فيها تعيين حارس قضائي لحماية الأموال العامّة والخاصّة ووقف التدهور الإداري والنزف المالي الذي يصيب الكازينو منذ سنوات، وهذه الدعاوى في مرحلة الاستئناف حالياً)، إضافة إلى تقارير ماليّة صادرة عن لجنة الرقابة على الكازينو، وغيرها من المستندات التي تبيّن وجود أوضاع ماليّة غامضة وشبهات فساد في كيفيّة إدارة هذا المرفق العامّ.
أول من أمس، ادّعى القاضي كرم على كريدي، بجرم إساءة الأمانة المشدّدة المنصوص عنها في المادة 672/عقوبات، التي تعاقب «بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات لأي مدير مؤسّسة أو شخص مُستناب من السلطة لإدارة أموال تخصّ الدولة أو الأفراد، وأساء الأمانة بالأموال المسلّمة إليه أو المناط أمرها به»، وأحال القاضي كرم الملف على قاضي التحقيق للتوسّع فيه واستجواب كريدي ومن يظهره التحقيق متورّطاً.


تقدّر الأموال العامّة والخاصّة المهدورة في الكازينو بملايين الدولارات

تشير المصادر إلى أن «الأموال العامّة والخاصّة المهدورة تقدر بملايين الدولار، بحسب المستندات المُقدّمة»، التي «من المرجّح أن يكون قد ارتكز عليها كرم في ادعائه وضمّ إليها معطيات استقاها من أكثر من جلسة استجواب لكريدي، والاستماع إلى إفادات مديرين حاليين وسابقين وعاملين في الكازينو، إضافة إلى المصروفين في عام 2015». أبرز هذه الشهادات كانت لأحد المديرين في الكازينو الذي تحدّث عن أحد أوجه الهدر في «مئات العروض الفنيّة والحفلات الغنائيّة والمسرحيّة التي كانت تقام في الكازينو بكلفة باهظة، وتؤدّي في النهاية إلى خسارة مبالغ كبيرة غير مبرّرة، على الرغم من أن التكاليف التي كانت تدفع على التسويق والإعلان (تقوم بها شركة واحدة هي M&C Saatchi) مرتفعة».
وبحسب الشهادات، فإن «قيمة هذه الحفلات الفنيّة (التي تخطّى بعضها المليون دولار أميركي) كانت موضع خلافات مستمرّة بين كريدي ومدير البرامج الفنيّة جوزف شلالا، الذي رفض استقدام إحدى الفرق (هوليداي أون آيس) لقاء مبلغ مليون و200 ألف دولار، بعد أن اكتشف بناءً على مراسلات مع الفرقة، أن الكلفة الفعليّة لاستقدامها لمدّة شهر كامل لا تتجاوز الـ300 ألف دولار، وهو ما أدّى إلى نقله إلى قسم شؤون الموظّفين». وتضيف الشهادات «أن كريدي خالف أصول التعاقد المباشر بين الكازينو والفرق، المعمول به في هذا المرفق، واستعان بشركة وسيطة غير معروفة لإتمام هذه العمليّات التعاقديّة، ممعناً في هدر أموال الكازينو، بحيث تجاوزت أعباء الفرق الفنيّة للمسارح ضعفي الإيرادات المتأتية من نشاطها بين عامي 2011 و2016، رغم أن ما صرف من بدلات إعلانات وتسويق على العروض الفنيّة تخطّى ضعفي قيمة هذه العروض». ويضاف إلى ذلك مجموعة أخرى من مصادر الهدر التي كانت محور بعض جلسات الاستماع، وقدّمت مستندات حولها، وقد ضمّت إلى ملف الكازينو المُحال على قاضي التحقيق للتوسيع فيها، أبرزها:
1- استمرار تقاضي رئيس وأعضاء مجلس الإدارة مخصّصات ضخمة على الرغم من تراجع إيرادات الكازينو، وقد بلغت بين عامي 2011 و2016 نحو 126 مليار ليرة لبنانيّة، وزّعها مجلس الإدارة على نفسه دون العودة إلى الجمعية العموميّة، وتخصيص مبلغ مقطوع بقيمة مليون ليرة لكلّ عضو فيه (يبلغ عددهم 10) بدل حضور كلّ جلسة مجلس إدارة. والتدقيق في مخصّصات للمستشارين ومصاريف السفرات والرحلات.
2- صرف 40.8 مليار ليرة عام 2015 (بما يفوق رأسمال الشركة المقدّر بـ30 مليار ليرة) لدفع تعويضات الصرف من الخدمة لإنهاء خدمات 191 موظفاً (بعضهم وظّف قبل أيام من صدور قرار الصرف، وثلثهم أعيد إلى العمل لاحقاً بموجب عقود جديدة).
3- ارتفاع كلفة الرواتب والأجور بين عامي 2011 و2016 من 87 ملياراً إلى 110 مليارات ليرة نتيجة التوظيف السياسي وتوزيع المساعدات الاجتماعيّة استنسابياً. إضافة إلى تنامي قيمة العمولات (Extra Gracias) التي كانت تدفع دورياً للموظفين المحظيين استنسابياً دون وجود أي معايير واضحة وعادلة.