بدأت القصة عام 1919، عندما اقترح عالم الرياضيات ثيودور كالوتزا أن عالمنا لا يحتوي على أبعاد ثلاثة فقط، بل يوجد بعد آخر في الفضاء، ولكن لسبب ما لا نستطيع رؤيته. وعلى غرار ألبرت أينشتاين، أراد كالوتزا ابتكار معادلة واحدة تشرح كل القوة المحيطة بنا، إلا أن استخدام أينشتاين لقوة الجاذبية لشرح الفضاء والوقت من ناحية الالتواء والانعطاف حمل كالوتزا على استخدام قوة أخرى، وهي الكهرومغناطسية (electromagnetics) أيضاً من ناحية الالتواء والانعطاف، ولكن في أي مكان؟ إذ إن أينشتاين كان قد شرح نظريته في الفضاء.


لذا، وللخروج من هذه المعضلة، قال كالوتزا إنه ربما هناك بعد آخر في الفضاء، على قاعدة إذا كنت أريد أن أشرح طريقة عمل قوة جديدة، أنا بحاجة لبعد جديد. وبدأ يبني النظرية على أن هناك 4 أبعاد في الفضاء، وأن قوة الكهرومغناطسية تعمل في هذا البعد. إلا أن نظريته هذه طرحت تساؤلات عدة، أهمها: إن كان هنالك بعد رابع، فأين هو؟ لمَ لا نراه؟ وهل يمكن هذه النظرية أن تعمل إذا ما أُخضعت للتجربة؟
جاء الجواب للسؤال الأول عام 1926 عبر أوسكار كلاين، حيث قال إن الأبعاد تكون على عدة أشكال. بعضها كبير بحيث يمكننا رؤيته، والآخر صغير جداً وموجود في نسيج الفضاء من حولنا، ولكن على مستوى ما دون الذرة بشكل حلقات مصفوفة لا يمكننا رؤيتها. ولهذا السبب بقيت مجهولة لنا. حسناً، بقي السؤال: هل يمكن هذه النظرية أن تطبَّق في تجربة علمية؟


رغم رومانسية هذه النظرية
لم يتمكن العلماء من التأكد
من وجود الأبعاد الأخرى

بقيت نظرية الأوتار محط جدل كبير، إلى أن خرجت نظرية جديدة اسمها الأوتار الفائقة (Super String Theory) التي لم يكن هدفها في البداية شرح النظرية السابقة، بل اكتشاف المكون الموجود والموحد في كل شيء من حولنا. إذا ما وضعنا أي مادة تحت مجهر فائق، فسنرى الذرات (هذا أقصى حد للمجاهر الحديثة)، ولكن نظرياً سنرى أيضاً الإلكترونات التي تدور حول النواة، بالإضافة أيضاً إلى النوترونات والبروتونات. وإذا ما استمررنا بالتكبير، فسنرى جزيئات تسمى كوارك، إلا أن أصحاب نظرية الأوتار الفائقة يقولون إن الكوارك ليس نهاية المطاف، بل يقبع داخله شيء آخر، هو شكل من أشكال الطاقة على هيئة وتر (من هنا جاءت تسمية النظرية)، ويبقى في حالة اهتزاز أو رقص دائمة، وإن لكل نوع من المادة أوتاره التي ترقص بإيقاع خاص بها مثلاً مادة الحديد تختلف رقصة أوتارها عن مادة النحاس، وهكذا.
عندما وضعت هذه النظرية الجديدة قيد التجربة في مجال الرياضيات، فشلت فشلاً كبيراً، إذ لم تعمل في وجود أبعاد ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة، بل احتاجت إلى 10 أبعاد من الفضاء وبعد واحد من الوقت، وهذا ما أعاد العلماء إلى كالوتزا واستخلاص أنه إن أردنا أن نشرح طريقة عمل الكون، يجب أن نستعمل أبعاداً جديدة بالرغم من عدم رؤيتنا لها. عندما ينظر العلماء إلى الكون يجدون 20 رقماً مشتركاً مثل كتلة الجزيئات والإلكترونات والكوارك وقوة الجاذبية، وبالرغم من أن هذه الأرقام قد قيست بعناية فائقة، لكن لا يمكن أحداً حتى يومنا أن يعلم لما أُخذت الجزيئات هذه الأرقام أو الكتل بالتحديد.

الأمل يكمن في أكبر
ماكينة بنتها البشرية
للتجارب ما دون الذرية

تصور أنك تقف على ميزان. الرقم الذي سيظهر عليه هو عبارة عن مقدار ما تشده الجاذبية منك إلى الأرض، فلولا الجاذبية لما كان لنا وزن. وبالعودة إلى الأرقام الـ 20، بقي السؤال: ما الذي أعطى الجزيئات كتلتها المحددة بدقة فائقة، لدرجة أن أي تغيير بسيط في أي منها ما كان ليوجد العالم الذي نحن فيه. هل قدمت نظرية الأوتار شرحاً فعلياً لهذه الأرقام؟ لا، ولكن تقول إن القوة التي تحدد كتلة الجزيئات قد توجد في الأبعاد الأخرى التي لا نستطيع رؤيتها، وإن المشهد المجهري لكل الكون المحيط بنا هو عبارة عن مجموعة من الأوتار المتراصفة كنسيج، وإنك إذا ما حركت يدك في الهواء، فإنها تمرّ عبرهم، ولكن لكون حجمهم ما دون الذري، لا نشعر بوجودهم، وإذا ما استطعنا يوماً أن نصل إلى هذه الأبعاد كلها، فعندها نستطيع معرفة لمَ الأرقام الـ 20 على ما هي عليه، ومن ثم سنستطيع الإجابة عن أسئلة كبيرة، مثلاً: لمَ العناصر التي تحيط بنا وجدت هي، وليس عناصر أخرى وماهية المادة المظلمة (Dark matter).
رغم رومانسية هذه النظرية لما تحتويه من أوتار راقصة، لم يتمكن العلماء من التأكد من وجود الأبعاد الأخرى، لكن يلوح في الأفق بصيص من الأمل من خلال أكبر ماكينة قد بنتها البشرية للتجارب ما دون الذرية، وتسمى مصادم هادرون الضخم (large Hadron Collider). يمتد هذا المصادم لمسافة 27 كلم على شكل دائرة برميلية، وعلى عمق يراوح بين 50 و 175 م، وقد بنته منظمة الاتحاد الأوروبي للأبحاث النووية، وهو كبير لدرجة أنه يقع تحت دولتين هما فرنسا وسويسرا. يعمل مصادم هادرون على تمرير الجزيئات داخله حتى تبلغ تقريباً سرعة الضوء، بعدها يصدم الجزيئات بعضها ببعض، وعند حدوث الاصطدام ينتظر العلماء أن يخرج حطام من مواد جديدة لا نعرفها تكونت بفعل الاصطدام الهائل ليجري قياسها ودراستها في محاولة لفهم الكون بطريقة أفضل.