لم يعد بوسع السياسيين الهروب أكثر: انتهت أزمة قانون الانتخاب. لم يعد هناك أي مبرر أو مهرب أو طريق فرعيّ. وصول السياسيين إلى مهرجاناتهم الانتخابية يتطلب منهم اجتياز جدار مرتفع وسميك اسمه الوضع المعيشي. هناك من يستنفر أجهزة الدولة ولا سيما الوزارات والبلديات لتوزيع الرشى المقوننة هنا وهناك لتهدئة أنصاره وإسنادهم شهرياً أو كل بضعة أشهر بدفعة صغيرة.


وهناك من يعد أتباعه بوظيفة من هنا وأخرى من هناك. إلا أن المشكلة أكثر تعقيداً من أن تستطيع هذه الرشى حلها. الأرقام تفيد بوجود أكثر من مئة ألف لبناني يعانون الأمرّين لتسديد أقساط المصارف السكنية، ومثلهم تقريباً يواجهون المصائب في تأمين إيجارات منازلهم كل أول شهر، في وقت تواجه فيه المصارف مشكلة حقيقية في جباية القروض المخصصة للسيارات. ولعل التحريض المذهبي الموسمي يشغل المواطنين عن مشاكلهم الأساسية بين وقت وآخر، إلا أن إقرار قانون الانتخابات يضع حداً لحفلة المزايدات ويفسح المجال أمام تفكير الناخبين بأنفسهم قبل أي شيء آخر. ولا بدّ هنا من القول لآل الحريري قبل أي أحد آخر إن حجم الديون المتراكمة والغلاء المعيشي يجعل من الألف دولار لا المئة التي اعتادوا دفعها مجرد «بونبونة» لا تغير أبداً في مزاج الناخبين. لم يعد للمئة دولار أي قيمة، وعليهم أن يحسبوا حساب «الألف وطلوع». الوضع سيئ والجدار الفاصل بين السياسيين والناخبين مرتفع جداً. في أفضل الأحوال، يمكن القول إن السياسيين يعيشون في عالم، والناخبين في عالم آخر. في عالم السياسيين، لا أزمة سكن ولا أزمة مواصلات أو سندات مصرفية شهرية أو كهرباء أو نفايات أو غلاء أقساط مدرسية وجامعية وغيره. في عالم السياسيين، هناك يخوت وسيارات غير مجمركة وقصور مجهزة بمولدات خاصة وشقق سكنية للأولاد في الخارج، حيث جامعاتهم ومسابح خاصة ومنتجعات مقفلة. في عالم السياسيين، لا أحد يلقي نظرة على فواتير المطاعم وفواتير الهواتف وفواتير المولدات وسعر البطاقات في المهرجانات السياحية التي يُراد منها القول إن الأوضاع السياحية والمعيشية بألف خير. ثمة عالمان نعم؛ عالمان متناقضان، والمشكلة أن السياسيين لا يرون من هم في العالم الآخر، فيما أهل العالم الآخر يرون السياسيين يتمخطرون أمامهم بثرواتهم وسياراتهم وقصورهم وقلة حيائهم. لا يوجد من الآن حتى موعد الانتخابات شيء يفكر فيه أهل الجديدة – البوشرية – السد وسن الفيل والمكلس والمنصورية والدكوانة والفنار ورومية والمكلس والزلقا وجل الديب سوى رائحة النفايات التي حولت حياتهم إلى جحيم حقيقي. ثمة جدار صلب ومرتفع من النفايات يفترض بالمرشحين إلى الانتخابات النيابية في المتن الشمالي أن يقفزوا فوقه للوصول إلى مهرجاناتهم الانتخابية. وفي ضبية، حيث اعتادت اللوائح أن تنظم مهرجاناتها الانتخابية، يفترض بالخطباء أن يتحسبوا هذه المرة لانتهاء العمل بالمجمع السكني الذي يتجاوز سعر أصغر شققه نصف مليون دولار، فيما هو مشيد فوق ردم البحر الذي كان يفترض أن يكون لكل الناس. والأسئلة كثيرة من الشاطئ المحتل بأكمله، إلى الجبال المزدحمة بالمرامل، مروراً بفواتير المحال التجارية والمطاعم التي لا تخضع لأي حسيب أو رقيب. بإمكان الوزراء المزايدة على بعضهم بعضاً في ما يخص السدود والبواخر وميزانيات المستشفيات وغيرها، إلا أن الناخب لا يبالي في هذه اللحظة بحجم السد وتكلفته، ومن أنجزه ومن عرقله؛ كل ما يعنيه أنه بات مضطراً إلى اقتطاع نحو مئة دولار من أجره الشهري لشراء مياه الشفة لأن المياه النظيفة لا تصله أو هو لا يثق بنظافتها. وقبل عام أو عامين، لم يكن المواطن ليفكر بتكلفة الموقف المخصص لسيارته باعتباره كان شبه مجاني، فيما يعلم اليوم أن نحو مئة دولار إضافية تقتطع من راتبه وتذهب لأصحاب المواقف الذين رفعوا التسعيرة في أحد شوارع أنطلياس إلى عشرة آلاف ليرة في مقابل ساعتين، علماً بأن الخوات تفرض جملة ومفرقاً وتفرخ يميناً ويساراً. هذا الجدار المرتفع صنعت حجارته من دموع الأمهات اللواتي لا يجدن المواكبة الإعلامية والافتراضية اللازمة لحركتهن الاعتراضية ضد الصرف التعسفي لأبنائهن وبناتهن من مؤسسات المستقبل، ومن القهر المتمادي لأصحاب الحق بسلسلة الرتب والرواتب، ومن الإهمال الوقح لعكار والمنية والضنية، ومن وزارة الدولة لمكافحة الفساد التي لم تقع على ملف فساد واحد حتى الآن.
النقاش المحتدم بشأن موازين القوى في هذه الدائرة وتلك لا يلحظ اليوم وجود هذا الجدار، لكنه موجود كما لم يكن يوماً في السابق، ولن يكون من السهل القفز فوقه، سواء بالنسبة إلى السياسيين بحكم أوزانهم الثقيلة أو بالنسبة إلى المواطنين الذين يصعب تخيلهم يتجاهلون أوضاعهم الصعبة هذه المرة أيضاً إكراماً لفلان وعلتان بعدما بات استقرار أسرهم ومستقبلهم ومصير أبنائهم على المحك.