رغم أن أحد عشر شهراً تفصل بين موعد إقرار قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات، إلا أن البلاد دخلت فعلياً في مزاج الانتخابات، ووضعت القوى السياسية نفسها على خط التحضير وإطلاق الماكينات الانتخابية.


وإذا تخطينا سلبيات القانون الجديد وإيجابياته والأخطاء فيه وطرح التعديلات عليه، يمكن التوقف عند بعض الملاحظات والإشارات مع انطلاق مرحلة ما بعد قانون الانتخاب.
من المبكر جداً الكلام عن أي تحالفات تجمع القوى السياسية للبناء عليها في قراءة قانون الانتخاب ونتائجه سلفاً، لأن الانتقال من النظام الأكثري الى نظام الاقتراع النسبي، وبالأطر التي حددها القانون الجديد، سترتب على هذه القوى دراسة متأنية لكيفية عقد التحالفات، والدوائر التي يمكن التحالف فيها مع بعضها البعض أو العكس.


وحدهما بري
وحزب الله لا يعيشان همّ تثبيت الزعامة
ولا التوريث ولا ضبط إيقاع الصوت التفضيلي

لكن هذا لا يعني أن هذه القوى لم تبدأ فعلاً التعاطي مع فكرة الصوت التفضيلي بتأنّ ودقة، لأن هذا الاقتراع بالطريقة التي وضع فيها في القضاء، صار أشبه بطريقة اقتراع One man one vote. وهذا الأمر يدفع مشكّلي اللوائح من القادة السياسيين الى العمل منذ الآن، لتجهيز الأرضية الانتخابية وتجييش القاعدة وتوجيهها نحو المرشح المطلوب تفضيله. وهذا يترتب على زعماء الأحزاب والكتل السياسية كما المرشحين المثبت ترشيحهم، انطلاقة جدية في التعامل مع القانون الجديد وفق مقتضياته المختلفة عن القانون الأكثري. وهنا تكمن حساسية هذا الصوت التفضيلي، وخطورته، ولا سيما في ميزان الربح والخسارة داخل الأحزاب وعلى مستوى المرشحين أنفسهم.
في إطار آخر، يصادف الانتقال من النظام الأكثري الى النسبي خروج ثلاثة من الزعماء السياسيين من واجهة الانتخابات، أي العماد ميشال عون ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية. وخروج ثلاثة من «التينور» عن المشهد الانتخابي، لا يمكن التقليل من أهميته، ولو كان لكل من الثلاثة ورثته من المرشحين. إلا أن أمام المرشحين الجدد، الوزير جبران باسيل وتيمور جنبلاط وطوني فرنجية، مهمة العبور بالقاعدة الشعبية الى نظام انتخابي جديد لا تزال معالمه غير واضحة، وتحقيق نتائج نيابية تثبت استمرارية الخط السياسي الذي ورثوه. ورغم أن جنبلاط الأب وفرنجية الأب يواصلان إضفاء الاستمرارية السياسية ورعاية المعركة الانتخابية لولديهما، ورغم أن التقليد يفترض التزام قاعدتهما بالمطلق بخيارات الرجلين، إلا أنه لا يمكن تقليل حجم الهالة الشخصية للنائبين جنبلاط وفرنجية التي تبقى أكثر فاعلية، الأمر الذي سيرتب على خليفتيهما تحديات أكبر لأن هذه الانتخابات ستكون محطة مفصلية لهما في تثبيت انتقال السلطة الفعلية من الأب الى الابن، وحشد التأييد لهما كمرشحين، وككتل نيابية يفترض أن يشكلاها في أول انتخابات لهما، بعد اعتماد النسبية.
وتبقى في هذا الإطار مهمة باسيل الأصعب، لأن أمامه استحقاقات أساسية داخل التيار لاختيار المرشحين الذين تكبر احتمالات فوزهم، كما في عقده التحالفات مع القوى السياسية الأخرى. لكن الأهم بالنسبة الى باسيل هو أنه يخوض معركة نيابية أولى بهذا الحجم كرئيس للتيار، بعيداً عن صورة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وهذا الفصل بينهما فصل دقيق، لأن رئاسة عون للتيار والتكتل النيابي، الذي فاز به على دورتين وأوصله بحجمه الى أن يكون المرشح الأول كرئيس أكبر كتلة مسيحية، هي التي أعطت المظلة الكبرى لهذا التيار. أما اليوم، فيفترض أن يكون رئيس الجمهورية فوق الانتخابات، ويفترض برئيس التيار أن يشكل لوائح الحزب ويخوض الانتخابات على أساس النسبية وتثبيت قدرته، كرئيس للتيار وخلَف لعون، على الإمساك بالقاعدة العونية (بعيداً عن استزلام الناخبين لحزب السلطة) وتجييشها لمصلحة حزبه وحصد أكبر عدد من المقاعد النيابية. وهذا الأمر ليس بسيطاً لأنه لا يخوض حصراً معركة نيابته البترونية، إنما جملة معارك على المستوى نفسه.
وفيما يخرج رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من معادلة الترشح بنفسه، محولاً التجييش لمصلحة رفع عدد نواب كتلة القوات، فإن الرئيس سعد الحريري، كإحدى شخصيات الصف الأول، يدخل الانتخابات محاولاً تحدي نفسه مرة أخرى، لتثبيت وجوده. لا تتعلق معركة الحريري، هذه المرة بتحقيق فوز كاسح على غرار ما حصل في انتخابات 2009، حين كان هناك رافعة أساسية اسمها 14 آذار. اليوم، هناك تحدّ حقيقي في صياغة التحالفات وتحقيق مكسب انتخابي يعيده رئيساً للحكومة. لكن أيضاً ثمة ما هو أبعد من ذلك، في ضرورة تحقيق نصر خاص به، واضعاً في الميزان استثمار النجاح في المسار الذي اختاره عند صياغة تسوية وصول عون الى قصر بعبدا. يختلف طموح الحريري بذلك عن الورثة الجدد: باسيل وجنبلاط وفرنجية، فهو وإن سبقهم في تكريس زعامته لتياره، إلا أن الأعوام الماضية أضافت أعباء جديدة عليه، وضاعفت من تحدياته لاستعادة الوهج الذي فقده سنياً وحزبياً، كما فقد مظلة 14 آذار التي ساهمت في ما وصل إليه، ليتخلى عنها لمصلحة تسويات مختلفة.
في هذا المشهد الانتخابي، لا يمكن الكلام عن الرئيس نبيه بري ولا عن حزب الله لأن الطرفين لا يعيشان همّ تثبيت الزعامة ولا اختيار المرشحين ولا الورثة ولا ضبط إيقاع توزيع الصوت التفضيلي. هي حالهما نفسها منذ دورات انتخابية عدة. أما الباقون فأمامهم 11 شهراً لغربلة مشاكلهم وحلها.