"إن بعض، إن لم يكن أكثر، ما يفعله الأغنياء هو مرتبط بتدمير الوظائف لا خلقها"

جوزيف ستيغليتز

كما رأينا سابقاً فإن النظام المالي اللبناني أدى إلى كبح القوى المنتجة وزاد من عدم المساواة في الدخل والثروة. لكنّ هذا التشوّه الكبير في الاقتصاد أصبح الآن ذا ديناميكية مستقلة، أو يمكننا القول إنه أصبح له حياة مستقلة عن النظام المالي الذي أنتجه في السنوات الـ 25 الماضية، وإن كان لا يزال مدعوماً منه.

فالعلاقة بين سوء توزع الدخل والثروة وتأثيرهما على النمو الاقتصادي والاستقرار تشكّل حلقة جهنمية، إذ إن عدم المساواة يؤدي إلى التراجع الاقتصادي، وبالتالي عدم تطوّر القوى المنتجة، وهذا ما نراه يحدث اليوم في الولايات المتحدة الأميركية. ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل والأبحاث المؤيدة لهذا التأثير أكتفي بما قاله ستيغليتز في الأعلى.
إذا كان هذا يحدث في أكثر الرأسماليات دينامية في العالم فإن هذه الحلقة الجهنمية في بلد ريعي مثل لبنان تؤدي إلى تخلف عام يمنع تطوره على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فاستمرار هذا التخلف يعني ليس فقط التراجع الاقتصادي، بل أيضاً الزيادة المطردة في جعل الطبقات الاجتماعية يسيطر عليها البعد "الرثي" فيها، فكما الجمود والتحنيط في الرأسمال يقابله الجمود والتحنيط في المجتمع.


اقتصاد الزومبي لا يمكن أن يستمر
إلى الأبد فأطياف كثيرة تخيّم عليه

ما العمل إذاً لكي ينقذ اللبنانيون أنفسهم من المستنقع الريعي الآسن الذي وُضعوا فيه؟ تواجهنا الآن ثلاثة خيارات. الأول بالطبع، هو فعل الشيء نفسه ونأمل أن يحدث التغيير من تلقاء نفسه. هذا الخيار قوي سياسياً وهو المأخوذ به حالياً. إذ إن اللبنانيين قد وضعوا في إطار نفسي من البروباغندا لمدة خمسة وعشرين عاماً أن لا نموذجاً إلا هذا النموذج الاقتصادي، وأنهم محكومون إلى الأبد بالعيش فيه، وأنه من "طبيعة لبنان"، وأن المصارف هي "العمود الفقري" للاقتصاد والتجديد لحاكم مصرف لبنان جاء في هذا الإطار السيكولوجي لهذا النموذج.
ومن ضمن الخيار الأول إعادة الصلاة مرة أخرى، كما فعلنا في 1992، لأن يقوم النمو الاقتصادي بحل المشكلة، وبالتالي تتساقط المنافع على الجميع وينخفض الدين العام وصولاً إلى الفانتازيا الرائجة اليوم (وهي إشارة يأس وطمع مركنتيلي أكثر منه أمل في المستقبل) ألا وهي "النفط والغاز". وهنا أريد فقط أن أتأمل بأمر أكثر جدية قد يحصل من تلقاء نفسه في الاقتصاد الرأسمالي وينقذنا، ألا وهو "الموت الرحيم للريعي".
في خضم مناقشته للمدى الطويل للرأسمالية، طرح جون ماينارد كينز أطروحته الشهيرة حول "القتل الرحيم للريعي" أو "Euthanasia of the Rentier". فكينز كان يعتبر أن الريعي والفائدة التي يضعها ككلفة على الرأسمال المنتج هو معوق للتقدم الاقتصادي، ولكن "قتل" هذا الريعي سيكون رحيماً عبر تراكم الرأسمال نفسه، حيث أن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة بحجم رأسمالها الكبير سوف تدفع العائد على الرأسمال، وبالتالي الفائدة إلى أقل الممكن، وبذلك ينتفي الريعي مع انتفاء عائده. هل سيحدث هذا في لبنان؟ في الرأسماليات المتقدمة لم يحدث هذا، بل كما نعلم ورأينا، أصبح الرأسمال الريعي أكثر قوة وسيطرة. وإذا كان هذا هو الحال في الرأسماليات المتقدمة فكيف هو الحال في لبنان، حيث "الثالوث غير المقدس": الدولة والمصارف والمصرف المركزي، يشكل القاعدة الاقتصادية السياسية لمنع موت الريع بل يجعله المسيطر على الاقتصاد.
الخيار الثاني، هو عكس السياسات النقدية التي أوصلتنا إلى هنا، وذلك عبر التغيير في مصرف لبنان. المعضلة هنا أن زمن المقدرة على التغيير هذا وعلى مدى تأثير هذا التغيير على الاقتصاد الحقيقي قد ولى. فقد كان بالإمكان فعل ذلك في التسعينيات بعد أزمة 1998 أو حتى بعد باريس -2 في 2002، لكن اليوم فإن تغيير السياسات النقدية لم تعد هي السبيل لتغيير مفاعيل السياسات النقدية التي أنتجت أزمة القوى المنتجة وعدم المساواة، لأن خفض الفائدة وتحرير الصرف لن ينفعا في حفز الاستثمار الحقيقي ولا في زيادة حصة القطاعات الإنتاجية ولا في تغيير توزع الدخل والثروة. وهنا لا أريد أن أعطي الانطباع بأن التغيير في مصرف لبنان غير مطلوب بل هو ضروري من ناحية المحاسبة الديمقراطية لسياساته وتمثيل ممثلي العمال والموظفين في المجلس المركزي للمصرف، بالإضافة إلى التغيير في أهدافه وعدم التركيز فقط على استقرار الأسعار وقيمة النقد ووقف السياسات "غير النقدية" في ما عرف بـ"الهندسة المالية" التي تحاول أن تنقذ النموذج الريعي من تناقض أساسي بين حاجته الدائمة إلى استيراد الراسمال بكثافة والمحافظة على معدلات ربحية الريعيين ومعدلات الربح للمصارف. وهنا أتت اختراعات المصرف المركزي من شهادات الإيداع إلى الهندسات المالية لرفع أرباح المصارف إلى الحفاظ على الفائدة مرتفعة اصطناعياً.
إذاً لم يبق أمامنا إلا خيار ثالث. وهنا أولا، من معادلة بيكيتي، نستنتج أنه علينا أن نزيد النمو مقابل معدل الفائدة بدلاً من خفض الفائدة هبوطاً للحاق بالنمو الضعيف حالياً، ولكن هذا الحل يبقى "نموياً" فقط ولا يحل معضلتي تراجع القطاعات الإنتاجية ولا التوظيف ولا سوء توزع الدخل والثروة، والأخير استفاد من 25 عاماً من كون الفائدة أعلى من النمو (بمعدل 2.5%)، وبالتالي تكدست الثروة لدى القلة وعبر التوريث تبقى بيد هذه القلة. إذاً ما العمل؟ هنا يأتي طيف اقتصادي ثالث ألا وهو طيف الاقتصادي السوفياتي يفجيني بريوبراجنسكي الذي كان أول من طرح سؤال: من أين تأتي الموارد من أجل التصنيع في بلد متخلف اقتصادياً؟ وهذا السؤال طرحه جوزيف ستيغليتز في مراجعته وتطويره لأفكار بريوبراجنسكي في أهميتها الحالية للدول النامية: من أين سيأتي الفائض الذي يمكن استثماره (investible surplus) في تلك الدول؟ لقد كان حل بريوبراجنسكي "اقتصادياً" عبر طرحه تحويل الموارد من قطاع متخلف ولكن كبير (الزراعة في روسيا آنذاك) إلى القطاع الصناعي، وذلك عبر سياسة قلب شروط التبادل السلعي ضد القطاع الفلاحي أي رفع أسعار السلع الصناعية نسبة لأسعار السلع الزراعية وبالتالي "استغلال" القطاع الفلاحي من أجل التصنيع.
في لبنان اليوم مطلوب هذا التحويل من القطاعات الريعية إلى القطاعات الإنتاجية، ومطلوب أيضاً إعادة توزيع الدخل من الريعيين إلى العمال والموظفين. ومرة أخرى الاقتصاد الخاص لا يمكنه أن يفعل ذلك، فلا معدلات الربح ولا توقعات الربح في المستقبل التي تحدد الاستثمار في الرأسمالية مؤاتية لأن يقوم هذا الاقتصاد من تلقاء نفسه بـ"التحويل" ولا مبادرات المصرف المركزي التجميلية ولا الشراكة بين القطاعين العام والخاص ولا حتى الاستثمار الخارجي كما رأينا في القسم الأول.
إذا السياسة الوحيدة المتبقية لنا هي عكس التراكم الرأسمال الريعي على أنواعه وتحويله إلى راسمال حقيقي، أي استغلال النموذج الريعي نفسه عبر الضرائب العالية عليه (مساوٍ اقتصادياً للتبادل غير المتكافئ) فكما الفلاح كان سيسلم مواده الزراعية مقابل الآلات والاستهلاكية (بالنهاية كان حل ستالين أقسى لمن يعتبر!) سيسلمنا المصرفي والريعي وصاحب الثروة والرأسمالي المغترب رأسماله شيئاً فشيئاً عبر الضرائب، ومن هنا يأتي "الفائض الاستثماري" لإعادة تكوين الاقتصاد اللبناني. إن هذه السياسة إذاً لا تسعى للتغيير الفوري للنظام الرأسمالي اللبناني الريعي، وإنما تؤسس لميكانيزمات أساسها "استغلال" القطاعات الريعية عبر نقل الفائض منها باستعمال بشكل أساسي النظام الضريبي بوضع ضرائب على ارباح المصارف والفوائد والريع العقاري ووضع ضرائب على مداخيل اللبنانيين في الخارج.
قال جان بابتيست كولبرت، وزير مالية لويس الرابع عشر، "إن فن فرض الضرائب يكمن في المقدرة على نزع ريش الوزة بحيث نحصل على قدر أكبر من الريش في مقابل قدر أقل من الفحيح». وهنا في لبنان اليوم يجب أن تكون معدلات الضرائب عالية بحيث فقط نحافظ على هذه الوزة الريعية لمدة معينة، وفي خضمها سيتفككك شيئاً فشيئاً الاقتصاد الريعي الآسن ليتم استبداله باقتصاد عصري ديناميكي منتج يستعمل بشكل كفوء الطاقات التكنولوجية والعلمية والفكرية الكامنة، بدلاً من هدرها في العمل غير النظامي والهجرة والبطالة والبطالة المقنعة والأعمال الخدماتية، كما نحضر لتحقيق عدالة أعلى في توزيع الدخل والثروة. هذا هو الطريق الوحيد الذي لا مفر منه مهما حاول الثالوث غير المقدس الهروب إلى الوراء عبر الاستمرار في تدميره الاقتصاد ونقله للثروة للقلة، فأمامه "إما الاستغلال أو الانهيار" لأن اقتصاد الزومبي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد فأطياف كثيرة تخيّم عليه.