البحر هادئ من خلف الزجاج في خلدة. هنا تحت عقد الحجر في قصر النائب طلال أرسلان، تحتجب الرطوبة ورائحة الهواء الملوّث من مطمر الكوستا برافا، رغم أبواب المضافة في الطبقة الأرضية من القصر، المفتوحة لاستقبال الضيوف.


في الآونة الأخيرة، رفع أرسلان من معدّل مواقفه الإعلامية. لدى رئيس الحزب الديموقراطي ما يقوله وما يحذّر منه في ظلّ التطوّرات السياسية الأخيرة في لبنان والمنطقة. ويشرح في دردشة مع «الأخبار» رأيه في قانون الانتخاب الجديد، والهواجس التي يشعر بها أبناء طائفة الموحّدين الدروز اللبنانيين، وحاجة هؤلاء إلى تطوير النظام اللبناني نحو دولة مدنية، للحصول على ضمانات وطنية بدل ضمانات المحاصصة الطائفية وترسيخها.
يرى أرسلان «النصف الملآن» من القانون الجديد، «النسبية بحدّ ذاتها إنجاز، لكن علينا تطويرها عبر توسيع الدوائر»، يقول لـ«الأخبار». لا شيء يبدو محسوماً لدى الحزب الديموقراطي بشأن الترشيحات والتحالفات، لكنّ الأكيد أن «الحزب سيرشّح في كلّ الدوائر التي لنا وجود فيها، من بعبدا إلى عاليه إلى الشوف وراشيا وحاصبيا». تحالفات أرسلان قد لا تتضح قبل الأشهر الأربعة الأخيرة من موعد الانتخابات، لأن «الأمور معقّدة هذه المرةّ، وربما يكون من مصلحتنا ألا نعقد تحالفات، صعب أن نحسم من الآن». يتحايل «المير» عن الإجابة على الأسئلة التفصيلية في الدوائر ويكرّر أن «الأمور تحتاج إلى درس»، ويفضّل أن يبدأ النقاش من النظام السياسي الحالي، واحتمالات المستقبل.
قبل أيام، قال أرسلان إن «الدروز هم الفئة التي دفعت الثمن في اتفاق الطائف». كيف؟ «كل الطوائف تعزّزت في اتفاق الطائف في أماكن متعدّدة، أنا لا أحب الحديث على هذا النحو، لكن نحن منفتحون على حصصنا إذا كان البلد ذاهباً نحو الدولة المدنية، لكن إذا كان الهدف هو تمترس الطوائف خلف (حقوقها) كجماعات، فأنا مضطر الى أن أسأل أين حقوق الدروز؟».
يعود أرسلان إلى الميثاق الوطني في 1943، «كان وضع الدروز أفضل على كل المستويات، أفضل مما بعد الطائف بكثير». الدروز كانوا شركاء أساسيين في الطائف، لكن ما هو سبب التراجع في الدور؟ يجيب «المير»: «لا، لا نستطيع القول إن الدروز كانوا مشاركين أساسيين في الطائف، من أصل ستة نواب دروز في المجلس النيابي (كمال جنبلاط، بهيج تقي الدين، مجيد أرسلان، بشير الأعور وسليم الداوود)، كان الشيخ توفيق عساف الوحيد الحي أثناء الاتفاق. أذكر أن وليد بك جنبلاط، لم يكن متأمّلاً أن الطائف سيصل إلى تسوية، وهو أفصح عن هذا الشّعور إبان اللقاءات التي كنّا نعقدها في بيت الدين برئاسة الشيخ الراحل محمد أبو شقرا. ونتيجة هذا الاقتناع، لم ننخرط كما يجب في الطائف. لم ننخرط كشريك سياسي بنصوص دستورية ضامنة للمستقبل، بل كقوة أمر واقع بفعل السلاح، وقيل يومها إن الرئاسة الرابعة درزية مع الرؤساء رفيق الحريري والياس الهراوي ونبيه بري». ماذا عن مجلس الشيوخ؟ ألم تكن ضمانة نص؟ «للأسف، ما يقوله الرئيس حسين الحسيني صحيح، موضوع رئاسة الدروز لمجلس الشيوخ لم تذكر في أي نصّ، والحسيني يقول إنها لم ترد في المحاضر».
هذا تصريح خطير، لكن لماذا يقول الرئيس بري وجنبلاط عكس ذلك؟
«ما يقوله الرئيس بري ووليد بك صحيح، لأن ما حصل كان وعداً شفهياً ومناخاً عاماً في الطائف، لكنه لم يكتب في أي نص». يضيف أرسلان: «لكن الذين يريدون تجاهل دور الدروز وحرمانهم من مجلس الشيوخ الآن، عليهم العودة إلى التاريخ. ففكرة رئاسة الدروز لمجلس الشيوخ صدرت بعد اجتماع في دار الطائفة قبل وفاة والدي الأمير مجيد بخمسة أشهر في 1983، بحضور أبو شقرا ورعاية الرئيس صائب سلام ومشاركة الأستاذ منير أبي فاضل نائب رئيس مجلس النواب وقتها، وقد وقّع الزعماء الدروز الوثيقة وسلمت إلى رئيس الجمهورية أمين الجميل وقتذاك. لكن للأسف، الطائف كرّس الطائفية عرفاً، وقسّم الرئاسات».


رئاسة مجلس الشيوخ
للدروز لم ترد في أي نص
من نصوص الطائف


لكن ألم يرتبط هذا التقسيم بإلغاء الطائفية السياسية ومجلس النواب الوطني ومجلس الشيوخ، واشترط بتطوير النظام؟ «هذا فخ»، يجيب أرسلان، «الآن يريدون تكريس المذهبية أكثر في النصوص، أحدهم يقول خلال جلسة رسمية إنه لا يعتبر مجلس الشيوخ ضمانة للطوائف. وأنا أقول إن بذور الطائفية بدأت بعد سقوط بشير الثالث، وأجدادي كانوا شهوداً عندما قسم الأتراك الجبل إلى قاممقاميتين وحكموا، ثمّ في عهد المتصرفية، هذا النظام غير مستقر ولم يولّد سوى الحروب، وإذا عدنا إليه سيولّد حروباً في المستقبل».
هل تشعر بالقلق على دور الدروز في لبنان؟ «ليس على الدروز وحسب، القلق على التوازن والنظام وما تبقى من الدولة، لأن الواضح أنهم يريدون إغلاق الباب أمام أي أفق لدولة مدنية، وفي المقلب الثاني يريدون توسيع حصص الطوائف على حساب الدروز. هناك أسئلة مشروعة علينا طرحها. قيل إن لبنان الكبير بُني لأجل الموارنة، لكن ألم يكن أول رئيس جمهورية هو شارل دبّاس، الأرثوذكسي؟ ألم يكد محمد الجسر، السنّي، أن يصبح رئيساً؟ وحبيب أبي شهلا الأرثوذكسي رئيس مجلس نواب؟ والمير خالد شهاب رئيس مجلس نواب؟». يتابع «الأمير»: الكوارث تراكمت منذ أن بدأ تصغير الدوائر في قوانين الخمسينيات، وفي نظرية الـ«6 و6 مكرّر» ضربوا الكتل الكبيرة، وحاصصوا النظام، ثم أتى بعدها قانون الستين. ولاحقاً أشعلت إسرائيل حرب الجبل لضرب المكونين الأساسيين في قلب جبل لبنان، ونحن في الطائف وبعده كرّسنا بالأداء (معادلة) مسلم مسيحي ثم الفصل بين المذاهب، والآن، كل الطروحات طروحات مخيفة مذهبية وطائفية. لكن حتى في الـ 6 و6 مكرّر، الدروز مظلومون، في مجلس الخدمة المدنية وفي القضاء وفي أشياء كثيرة أخرى».
إلى أين نحن ذاهبون؟ هذه نظرة تشاؤمية جدّاً، ما الحل برأيك؟ «الحلّ هو بفتح النظام السياسي أمام الجميع. هل تستطيع أن تشرح لي لماذا لا يمكن أن يكون أي مواطن لبناني رئيساً للجمهورية؟ أو لمجلس النواب أو الحكومة؟ الرئيس برّي أفتى بأن مجلس النواب الوطني هو بالحفاظ على المناصفة. موافقون. لكن لنعمل مداورة في الرئاسات من ضمن الطوائف، بصرف النظر عن المذهب. كاثوليكي أو أرثوذكسي أو ماروني أو أرمني، ما الفرق؟ وكذلك سني أو شيعي أو درزي أو علوي؟ وما حصل قبل أسابيع حول مجلس الشيوخ كان هدفه الخلاف بين الدروز والأرثوذكس ربّما لقطع الطريق على شيءٍ ما، لكن لا نريد التفسير بسوء النيّة، دعونا نصطاد الدب قبل الخلاف على جلده».
هل لا تزال مصرّاً على «المؤتمر التأسيسي»؟ «أكثر من ذي قبل» يؤكّد أرسلان «الطرح على خلفية إنقاذ البلد من الغرق المستمر في مستنقعات الطوائف والمذاهب. صار يقال إن المطالبة هي لفرض المثالثة، نحن ضد الثنائية والمثالثة والرباعية، هذه التقسيمات خربت البلد، نحن نطرحها من خلفية الدولة المدنية. إما الدولة المدنية أو الغرق في المذهبية. وللعلم، أحدهم ينادي بالفدرالية، وأحدهم طرح الكونفدرالية أخيراً في جلسة رسمية أمام أقطاب البلد. ميثاق جامعة الدول العربية هو ميثاق كونفدرالي، تخيّل في لبنان طوائف مستقلة تعمل مثل هذا الميثاق...».
هل هناك ربط مع ما يحصل في الإقليم؟ «طبعاً هناك ربط، لكن نتمنى إلى حد كبير أن يبقى البلد، بإدارته الداخلية، محمياً من نتائج ما يحصل. في سوريا، هناك دولة مركزية قوية استطاعت إلى حدٍ ما الدفاع عن نفسها، نحن بالسلم ولا نستطيع ذلك. تخيل لو أن ما حصل في سوريا، حصل في لبنان في ظلّ هذا النظام، كان لا يمكن جمع حجارة لبنان».