لا يمكن أن يطوى الكلام عن قانون الانتخاب الجديد سريعاً، لا بل إنه لا يزال موضوعاً على طاولة النقاشات السياسية للبحث في مفاعيله، وما يخلفه من احتمالات، في ضوء الاصطفاف السياسي الحالي، والتوقعات حول شكل التحالفات وتأثيراتها المفترضة على المشهد السياسي. والأكيد أن الوسط المسيحي، الذي يعتبر نفسه أكثر المعنيين، لا يزال في مرحلة تلقف القانون ودرس وقائعه وحيثياته، وما يمكن أن ينجم عنه، في ظل الانتقال من النظام الأكثري الى النسبي.


وفي إطار الكلام عن سلبيات القانون وإيجابياته، تطرح المقارنة بين ما قد يفرزه القانون الجديد، مقارنة بمفاعيل قانون الستين.
تعاملت القوى المسيحية، وخصوصاً التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية مع قانون الانتخاب، منذ أن بدأ الحوار المشترك بينهما، على قاعدة وجوب تحصيل المسيحيين عموماً ثلث أعضاء المجلس النيابي على الأقل، فيكون هذا الثلث مؤلفاً من الذين يفترض أن يكونوا ضامنين لـ«الحقوق المسيحية»، وممن يصنفون هم أنهم ينتمون الى هذا الجو المسيحي تحديداً، علماً بأن الحصول على ثلث أعضاء المجلس كان دائماً هاجساً لدى واضعي قانون الانتخاب، كما كانت الحال حين وضع قانون 1960 في عهد الرئيس فؤاد شهاب. ولم تشذ كل الأطراف السياسية لاحقاً عن هذا المنحى في تعاملها مع أي من القوانين الانتخابية.


لن تتأثر نتيجة
الانتخابات سلباً
بأيّ خلاف عوني
ــ قواتي

مع إقرار قانون 2017 على أساس النظام النسبي، ضمِن هذا القانون للمسيحيين الحصول على هذا الثلث على الأقل في دورة 2018، وإلى حد كبير في دورتين لاحقتين. لكن هذا الثلث لا يحتسب من حصة القوات والتيار كثنائي، وإنما من المسيحيين عموماً ممن هم منتخبون بأصوات مسيحية، ويمثلون الحالة المسيحية العامة التي طالب الثنائي بتأمينها في أي قانون انتخاب.
فماذا يميز هذا القانون عن قانون 1960 لكي يكون الحديث إذاً عن حسناته في الشارع المسيحي مبرراً؟
بحسب أوساط سياسية مطلعة، فإن المصالحة التي تمت بين التيار والقوات لم تتحول إلى تحالف انتخابيّ صافٍ على غرار ما هو حاصل بين حركة أمل وحزب الله مثلاً، وترجم في الدورات الانتخابية الأخيرة تنسيقاً كاملاً. فالتجارب الانتخابية التي حصلت، سواء في البلديات أو النقابات، والخلاف السياسي في ملفات أساسية كقانون الانتخاب وملف الكهرباء المتوتر بين القوات والتيار في الأسابيع الأخيرة، كلها محطات دلت على أن الطرفين يمكن أن يختلفا في شكل حاد، فلا يتحول تفاهمهما تبعاً لذلك إلى تحالف انتخابي مكتمل. وهذا الأمر يعيه قادة الطرفين جيداً.
لكن من أهم حسنات القانون الجديد، أنه يمكن التيار والقوات أن يذهبا الى انتخابات عام 2018 مختلفين في شكل جذري، ومع ذلك فلن يتأثر الشارع المسيحي انتخابياً، ولن ينعكس خلاف الحزبين سلباً على حصة الثلث النيابي التي سيحصل عليها المسيحيون. وستبقى تبعاً لذلك المقاعد المسيحية المنتخبة بأصوات المسيحيين، بمعزل عن أي خلاف قواتي عوني. وهذا يعني عملياً أن ما بين 43 و47 مقعداً مسيحياً ستكون مضمونة في القانون النسبي، مهما كان شكل التحالفات ومهما كبرت خلافات القوات والتيار.
هذه النتيجة لا يمكن أن تتحقق في قانون 1960. فالنظام الأكثري في الصيغة التي اعتمدت سابقاً، كانت ستحتم على القوات والتيار بعدما رفعا، في إعلان النيات، لواء «استعادة حقوق المسيحيين»، خوض معركة مشتركة وحقيقية، لتحصيل الثلث الذي يأملون تحصيله. وأي خلاف بينهما كما حصل في البلديات أو في ملف الكهرباء الشديد الحساسية، او حتى في تسجيل النقاط كما حصل أخيراً في ملف قانون الانتخاب أو اختيار المرشحين المقبولين لدى كل منهما، كان يمكن أن يطيح الثلث النيابي، لا بل إنه كان سيؤدي الى انهيار كارثي في عدد النواب الذين سيصلون بأصوات مسيحية صرف، الأمر الذي كان سيضطر الطرفين الى إبعاد كل الخلافات جانباً مهما كبرت ــ وهذا من رابع المستحيلات، وقد ظهر ذلك جلياً في السجال بين مسؤولي الحزبين تحديداً حول ملف الكهرباء ــ لرفع نسبة الفوز بالمقاعد النيابية.
من هنا تتعامل الأوساط السياسية مع القانون الجديد على أنه مفيد أكثر للمسيحيين، على الأقل في قدرته على تحرير القوى المسيحية من عبء التحالفات والتفاهمات الداخلية لتحقيق نتائج على المستوى المسيحي العام، وكذلك مع القوى السياسية الأخرى. فالتنوع داخل الشارع المسيحي معطوفاً على النسبية، لن يؤدي الى خسارة الثلث كما كان يمكن أن يحصل في قانون 1960 مع سعي القوى الأخرى للهيمنة على مقاعد مسيحية.
ما عدا ذلك، يمكن الكلام كثيراً عن حسنات القانون وسيئاته وصورة المجلس الجديد وفق هذا القانون بتقسيماته الجديدة. لكن بات بمقدور القوى المسيحية الحديث باطمئنان عن ثلث المجلس النيابي على الأقل.