في منتصف حزيران، تلقى عدد من المستثمرين، الذين يحملون شهادات إيداع صادرة من شركة «سوليدير»، بلاغاً من إدارة الشركة يعرض عليهم استبدال هذه الشهادات بمبالغ نقدية على أساس سعر للشهادة الواحدة يُحدّد في 29 حزيران الجاري، أو استبدال شهادات الإيداع بأسهم في «سوليدير» من الفئة «أ».


وبرّرت الشركة هذا العرض بـ«ضعف تداول شهادات الإيداع في بورصة لندن»، وأضافت أنه «نظراً لضعف سيولة شهادات الإيداع وكلفة إدارتها والعبء المترتّب على الاستمرار في إدراجها لم يعد يتناسب مع الفوائد المحققة منها».

توصية بنك أوف نيويورك

أخفت إدارة «سوليدير» الأسباب الحقيقية عن حملة هذه الشهادات، فعرض الاستبدال لم يكن بسبب ضعف التداول فقط، بل بسبب توصية بوقف تداولها في بورصة لندن، تقدّم بها «بنك أوف نيويورك»، بصفته المودع لهذه الشهادات، إذ إن كلفة إدارة هذه الشهادات باتت أكبر من المردود الذي تحققه لحامل السهم، وبالتالي فإن حمل هذه الشهادات تحوّل إلى عبء على المستثمر.
جاءت هذه التوصية بعد عملية تدقيق في ميزانية الشركة وأعمالها قام "بنك أوف نيويورك". وبحسب المطلعين، فإن «المدقّق لا ينظر فقط إلى النتائج التي تقدمّها الشركة في تقاريرها، بل ينظر إلى الأسباب الموجبة والمبرّرات الفعلية الكامنة وراء الحسابات المصرّح عنها، ويدرس الخيارات المُتخذة التي أدّت إلى هذا الإنفاق أو ذاك، إلا إذا كان ينوي محاباة إدارة الشركة كما يحصل حالياً مع تقارير المدققين التي تصدر سنوياً... وهذا يعني أن أوضاع الشركة التي فرضت على المدققين التوصية للمصرف بوقف التداول بهذه الشهادات، هي ليست عادية، بل تعدّ خطيرة لأنها ستمنع انفتاح الشركة على المستثمرين الخارجيين فيما وجودها في بورصة بيروت هو غير مجدٍ».

الإدارة المسرفة

ما الذي اكتشفه "بنك أوف نيويورك" في عملية التدقيق؟ توضح مصادر عاملة في البورصة أن نتائج التدقيق أظهرت أن الشركة تسير على طريق انحداري مالياً، وأن الكلفة الإدارية فيها باهظة جداً وليس هناك ما يبرّرها، لا سيما أنها كلفة ناتجة من سلوك كبار المديرين في الشركة، الذين يواظبون (على سبيل المثال لا الحصر) على عقد اجتماعات مجلس إدارة الشركة في إمارة "موناكو"، مع ما يعنيه ذلك من إسراف، وكذلك الجولات السياحية التي يقوم بها أعضاء في مجلس الإدارة وبعض كبار المديرين بحجّة "الاستكشاف" و"التذوق" من أجل استثمار أموال الشركة في المطاعم والمقاهي، أي في المجال الذي لا تختصّ به، وهذا كلّه على حساب ميزانية الشركة... في المقابل، يظهر أن البيوعات العقارية التي تتم جدولتها في ميزانية سنوات محدّدة هي بيوعات مسجّلة في سنوات ماضية، فعلى سبيل المثال أيضاً، تبين أن الـ11 عقداً، التي تزعم الشركة أنها وقعتها في 2016، هي محققة في سنوات ماضية، وأن العمولات المدفوعة على عقود البيع التي أُلغيت، هي كبيرة وباهظة ولا يمكن استرجاعها... بحسب المصادر نفسها، يوجد في جعبة "بنك أوف نيويورك" الكثير من المعطيات والمعلومات التي لم يُكشف عنها بعد، ولكنها دفعته إلى التوصية بوقف تداول شهادات إيداع "سوليدير" في بورصة لندن.

كلفة ترويج باهظة

يُعتبر تداول هذه الشهادات في بورصة لندن بمثابة النافذة الوحيدة لشركة "سوليدير" على السيولة الخارجية من المستثمرين الأجانب. فُتحت هذه النافذة في 26 أيار 1998، عندما قرّرت الشركة أن تصدر 12.19 مليون شهادة إيداع (يستند إصدار هذه الشهادات إلى أسهم الفئة «أ»، أي إن شركة "سوليدير" وضعت أسهماً من الفئة المذكورة لدى «المودع» وهو بنك أوف نيويورك، ليصدر لها في المقابل شهادات إيداع تدرج في بورصة لندن العالمية ويتقاضى رسوم إدارة على هذه العملية)، وهي تختلف عن الأسهم العادية من الفئتين (أ) و(ب)، ولكنها تملك كل الحقوق المنصوص عنها للأسهم العادية (160 مليون سهم منها 100 مليون من الفئة «أ» الذي تمثّل التقديمات العينية، و65 مليوناً من الفئة «ب» التي تمثّل المساهمات النقدية)، باستثناء حق التصويت في الجمعية، وهذه الحقوق تشمل: حق قبض أنصبة الأرباح، حق اقتسام موجودات الشركة عند تصفيتها، حق الاستفادة من قرارات الجمعية العمومية بأيّ منفعة خاصة.


تحتوي موجودات الشركة على 1.7 مليون متر مربع
بقيمة 6 مليارات دولار


وقد أُصدرت هذه الشهادات بناء على طلب إدارة الشركة ضمن رغبتها في الحصول على نافذة من المستثمرين الأجانب. ويوم إصدارها دفعت شركة سوليدير مبلغ 25 مليون دولار للحملة الإعلانية التي روّجت لهذه العملية، آملة في استقطاب مستثمرين أجانب وإدراج اسم الشركة في بورصة لندن بما يؤمن لها رافعة تسويقية ومالية... لكن كل هذه الآمال أُحبطت اليوم بعدما تبيّن أن إدارة شركة «سوليدير» تحصر عملياتها بمنافع مجموعة من المتحكمين بها على حساب موجودات الشركة وحملة الأسهم وأصحاب الحقوق الأصلية.
ثمة من يقول إن القرار لم يتخذه بنك أوف نيويورك، أو المودع، بل هو قرار اتخذته الشركة بعدما تبيّن لها أن التداول بالشهادات ضعيف ومكلف. لكن المعطيات المتداولة تفيد أن القرار جاء من بنك أوف نيويورك الذي أبلغ حملة شهادات الإيداع في 24 أيار 2017 أنه «سينهي عقد إصدار شهادات الإيداع مع شركة سوليدير» كما ورد في الرسالة الصادرة عن بنك أوف نيويورك، علماً بأن شركة سوليدير لم تبلغ المساهمين بهذا الأمر إلا في النصف الثاني من حزيران، أي قبل أيام من بدء عملية سحب الشهادات من التداول.

إخفاء المعلومات عن المساهمين

لماذا لم يتم إبلاغ المساهمين بهذا الأمر في الجمعية العمومية الأخيرة التي عُقدت يوم الاثنين الماضي؟ ولماذا لم يُذكر موضوع وقف التداول بشهادات الإيداع في التقرير المرفوع من مجلس الإدارة إلى مساهمي الجمعية العمومية، علماً أن هذا التقرير أعدّ في أيار 2017؟ ولماذا لم يذكر الأمر في التقرير المعدّ من مدققي المراقبة؟ ألا يستحق المساهمون معرفة الحقيقة ومساءلة مجلس الإدارة عن الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ أم أن مجلس الإدارة كان قلقاً من أن يتحوّل عرض هذا الأمر في الجمعية العمومية إلى مطلب بتصفية الشركة، التي لم يعد هناك أيّ داعٍ لمزيد من التوسع الأفقي والعامودي في عملها، فيما فترة التصفية قادرة على إنجاز باقي الأعمال المنشودة في وسط بيروت من دون أن يترتب المزيد من الأكلاف على ما تبقى من موجودات للشركة؟ أم أن هناك رغبة في تحقيق المزيد من المنافع في عمر الشركة الباقي بالطريقة نفسها التي تمّت خلال العقدين الأخيرين، أي من خلال التوسّع غير المدروس والإنفاق غير المبرر والهدر في الكلفة الإدارية وكلفة الإنشاءات والفساد المنتشر بين مسؤولي الشركة؟

الحل بالتصفية

في الواقع، إن الثغرات المتروكة في الحسابات المالية كانت تشكل مصدر قلق كاف، لكن يبدو أنها مرّت مرور الكرام بسبب «ملل» المساهمين من المساءلة وتوصلهم إلى قناعة أن إدارة الشركة تمارس ألاعيبها بالاستناد إلى نفوذها السياسي والطائفي الذي تملكه، وأن لا قدرة لأحد على أن يحاسبها وإن كان رئيس الجمهورية ميشال عون كرّر أكثر من مرّة أمام أصحاب الحقوق أنه سيعيد لهم حقوقهم على قاعدة «الأمتار بدلاً من الأسهم». لم تعد هناك قناعة لدى أي مساهم بأن المحاسبة ممكنة ومتاحة في هذه الشركة.

تعرض الشركة
على حملة شهادات الإيداع استبدالها بأسهم من الفئة (أ)

الملل تسلسل إلى صغار المساهمين الذين بدأوا يطالبون بتصفية الشركة واستعمال فترة التصفية لإنهاء المشروع أو ما تبقى منه مقابل توزيع الحقوق الاقتصادية للسهم على حامليه، أي الأمتار بدلاً من الأسهم. هذه المعادلة التي أصبحت بين يدي رئيس الجمهورية، تعني أنه على الشركة أن تتوقف عن هدر موجودات الشركة الباقية والبالغة 1.7 مليون متر مربع قابل للبناء تقدّر قيمتها، بحسب تقرير مجلس الإدارة، بنحو 6 مليارات دولار. هذه المليارات تعود لأصحاب الحقوق ولا يجب التفريط بها وإنفاقها كما أنفق ما قبلها عندما باعت سوليدير عقارات بقيمة تزيد على 3 مليارات دولار ولم توزّع على المساهمين أكثر من 1.14 دولار. أين ذهبت المبالغ الباقية؟ وفي جيوب من وضعت؟ هل تبرّر إنشاءات سوليدير وتطوير الأراضي كل هذه الكلفة؟ هل يعقل أن كلفة تطوير الأراضي تزيد على 62% من القيمة النهائية؟

الاستبدال أو الشراء؟

تعرض الشركة على حملة شهادات الإيداع استبدال شهاداتهم بأسهم من الفئة (أ) أو شراء هذه الشهادات منهم بسعر يحدّد في 29 حزيران، ويرجّح أن يكون أقلّ من السعر الرائج اليوم.
هذا العرض يعدّ عرضاً مثيراً للشكوك، لأن الشركة صرّحت في تقرير الحسابات عن عام 2016 أن أسهم الخزينة في ميزانيتها تزيد قليلاً عن 1.9 مليون سهم، وأنها مديونة بأكثر من 600 مليون دولار، فكيف ستسدّد قيمة الشهادات المستبدلة فيما هي تصرّح بأنه لا قدرة لديها على توزيع أنصبة أرباح للمساهمين؟ هل تستعمل الأسهم المحرّرة من بنك أوف نيويورك في عملية الاستبدال، ما يعني أن تسعير شهادة الإيداع قد لا يتطابق مع تسعير السهم، إلا إذا كانت تنوي تحميل كلفة سحب شهادات الإيداع لبنك أوف نيويورك؟ ولماذا ستفرض الشركة على المساهمين سعر السهم الرائج علماً بأنها هي وكبار المتداولين من المصارف المقربة منها يتحكّمون بالسعر؟ أين تقع مسؤولية مجلس الإدارة في هذا الموضوع ومسؤولية الشركة تجاه حملة الأسهم؟ هذه الأسهم بسعر اليوم تصل قيمته إلى 104 ملايين دولار على أساس سعر 8.57 دولار للشهادة الواحدة (السعر المسجّل أول من أمس)، لكن عدداً من المساهمين اشتراها قبل فترة بسعر 12 دولاراً للشهادة الواحدة، ما يعني مجمل قيمة الشهادات على هذا السعر يبلغ 146 مليون دولار، وبالتالي فإن هناك خسائر سيتحملها حاملو السهم.

* لا يظهر تقرير المدققين نوعية الخدمات التي حصلت عليها سوليدير لقاء هذه المبالغ