منذ نحو أسبوع، توجه أحد نواب المتن الشمالي الى جرود بسكنتا للاستراحة، وعند مروره بأحد رعاة الماعز في الضيعة توقف ليسأله: «شو عامل بهالقانون يا بو طوني؟». فأجابه الأخير: «من يقولولي أفييش شطّب وشكّل. رح اعطي 5 لبو الياس (النائب ميشال المر) و7 للتيار (التيار الوطني الحر)».


تشبه حال الناخبين المتنيين الى حدّ بعيد حال بو طوني الذي سيعمد الى توزيع أصوات أفراد عائلته على جهتين سياسيتين مختلفتين، من دون أن يدري تأثير عمل مماثل على اللوائح. لذلك يعيش نواب المتن اليوم توتراً مردّه إلى عدم معرفة سلوك الناخب إزاء القانون النسبي وكيفية توزيعه للأصوات، لا سيما أن الماكينة الانتخابية تعجز عن رصد وُجْهة الصوت نتيجة انتهاء عصر «تعليم الليستة». فمندوبو الأحزاب والسياسيين سيعجزون عن اقتناص صدق وعود الناخب من عدمه في ظل الورقة الموحدة التي تضم كل اللوائح وصور المرشحين التي ستفرز إلكترونياً، فيما سابقاً، كان يسهل على المندوب اكتشاف الأمر وفق «تعليمة» يمليها «المفتاح الانتخابي» على الناخبين، كوضع الأسماء بترتيب معين.
ما سبق يقود الى خمسة ثوابت في المتن الشمالي؛ الثابتة الأولى: تظهر كل الاستطلاعات المنجزة في القضاء أن المعركة مارونية بامتياز وتدور بين النائبين إبراهيم كنعان وسامي الجميّل. فالأول هو رأس حربة التيار الوطني الحر والثاني هو رأس حربة الكتائب، وهما يتنافسان منذ عام 2009 على «زعامة المتن». وفي أكثر من استطلاع للرأي اطّلعت «الأخبار» على نتائجها، يتقدّم كنعان الجميّل؛ فتاريخياً، لطالما كان الصراع مارونياً في هذا القضاء، لا سيما أن نسبة المقترعين الموارنة تفوق كل النسب الأخرى، قبل أن يتحول في فترة معينة الى صراع أرثوذكسي ما بين ألبير مخيبر وميشال المر، ما لبث أن انتهى مع وفاة مخيبر الذي لم يترك حزباً وراءه، وخفوت وهج منافسه مع عودة العماد ميشال عون الى لبنان ونجاح نواب المتن في التيار، لا سيما النائب إبراهيم كنعان، في حصد المرتبة الأولى بين المرشحين. وتستبعد المصادر العونية حصول أيّ تحالف مع الكتائب، نظراً الى حدة الخلاف الذي أجّجه النائب الجميّل عبر هجومه على خطة الكهرباء واتهامه التيار ضمنياً بالفساد.


استطلاعات ما بعد «نشوة» الرئاسة أظهرت أن القوات تحظى كحد أقصى بـ9 آلاف صوت



الثابتة الثانية: لا يزال التيار الوطني الحر الأقوى في القضاء جرّاء «تقليعه» بنحو 25 ألف صوت من دون أي حليف، ما يمنحه نحو 3 مقاعد نيابية، إذا ما اعتبرنا أن عتبة تمثيل كل لائحة (الحاصل الانتخابي) تبلغ 10 آلاف صوت (علماً بأن غالبية القوى تتوقّع أن يتجاوز عدد المقترعين عتبة الـ107 آلاف ناخب، أي ما نسبته 60 في المئة من المسجلين على لوائح الشطب، ما يرفع الحاصل الى أكثر من 13 ألف صوت). وفي ما عدا رافعة التيار، هناك رافعة أخرى تسمى المرشح القوي الذي يفترض أن يكون نقطة استقطاب للائحة ويضيف إلى أصواتها. فأي حزب سياسي، أكان التيار الوطني الحر أم القوات أم الكتائب أم القومي، يحتاج الى أكثر من الأصوات التي ينالها من الحزبيين، لذلك يرجّح أن ترسو الخيارات على مرشحين أقوياء قادرين على رفع اللائحة وتجيير أصواتهم الخاصة لها.
الثابتة الثالثة: تراجع دور رؤساء البلديات الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لأيّ انتخابات. وهو ما يجمع عليه بعض رؤساء البلديات الذين تحدثت اليهم «الأخبار»، لا سيما أن عامل «التشطيب» الذي كان يعتمد عليه «الريّاس» لم يعد جائزاً؛ فسابقاً، كان كل رئيس بلدية يطلب من الدائرين في فلكه وضع اسم معين، غالباً ما كان يكون اسم النائب ميشال المر، بمعزل عن تصويته للائحة التي يترشح فيها أو لا. أما اليوم، فسقط عنصر القوة مع تلاشي ظاهرة «كتائب المر» أو «قواتيي المر» أو «عونيي المر» نتيجة وضع الناخب أمام خيار صعب. وفعلياً، لا يمكن لرؤساء البلديات أن يستعيدوا أهمية دورهم سوى بتحالف بين التيار الوطني الحر والمر.
الثابتة الرابعة: رغم أن النسبية تتيح للكتل السياسية الفوز بمقاعدها من دون عقد تحالفات في ما بينها (باستثناء الكتل التي تراهن على الكسور لتحصيل مقاعد إضافية للوائحها) من مصلحة الثنائي سامي الجميّل ــ ميشال المر التحالف، كونهما يتشاركان قاعدة لا بأس بها.
الثابتة الخامسة: مطلع الأسبوع الجاري، قدّم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع نصيحة للقوى العاجزة عن تأمين الحد الادنى من الأصوات المطلوب في كل دائرة، بأن «تتسلى في القهوة او ترقّع بنطلونها». وبحسب تقديرات استطلاعات الرأي، لا تحظى القوات اللبنانية بالأصوات المتنية الكافية للحصول على مقعد واحد، بقوتها الذاتية. فأفضل نتيجة حصلت عليها «القوات»، بعد تراجع «نشوة» الانتخابات الرئاسية، أظهرت أنها تحظى كحد أقصى بـ9 آلاف صوت، فيما يُرجّح أن يتجاوز الحاصل الانتخابي عتبة الـ13 ألف صوت. لذلك، ستكون القوات بحاجة إلى حلفاء يمدّها كلّ منهم بنحو ألف صوت لتأمين مقعد لها. وإذا تم الالتزام بالنصيحة ذاتها، يجدر بجعجع الانصراف منذ الآن إلى «ترقيع بنطلونه» في المتن الشمالي.