قبل 8 سنوات، أي عندما أُجريت آخر انتخابات نيابيّة في لبنان، كان هنالك شبّان لم يُتمّوا الـ 21 عاماً بعد. كلّ مَن هو دون هذه السنّ، ولو بيوم واحد، لا يَحقّ له الاقتراع. الآن، بعد تمديدين لمجلس النواب، وثالث أخيراً، ستُجرى الانتخابات العام المُقبل، إن جرت، وعندها سيكون بعض أولئك الشبّان قد بلغوا 30 عاماً.


سنكون أمام مجموعة مِن الأشخاص الذين لم يُتَح لهم «حقّ» الاقتراع، كأوّل مرّة، إلا وهم في نهاية عقدهم الثالث! هذه سابقة «ديموقراطيّة» حصلت في الألفيّة الثالثة. هذه للتاريخ. تنفع لأن تُدرّس في العلوم السياسيّة كنموذج ديموقراطي يُضاف إلى باب «اللبننة» مثلاً. لله درّنا.
يكفي أن تنقص سنّ المواطن اللبناني يوماً واحداً عن الـ 21 عاماً، قبل أن تُقفَل لوائح الشطب تحديداً، حتى يتساوى مع الطفل الرضيع. منذ دهر، ونحن نسمع عن «جهود حثيثة» لخفض سنّ الاقتراع إلى 18 عاماً. جاء قانون الانتخاب الجديد، الفريد، مِن غير جديد على هذا الصعيد. لا صوت لِمن هم دون 21 عاماً. ما السبب؟ المسيحيّون خائفون ديموغرافيّاً. قيل هذا. طيّب ما العمل؟ هل نُباشر بعمليّة تصفية جماعيّة لِمَن هم بين الـ 18 والـ 21 عاماً مِن المسلمين؟ هل يُمكن لهؤلاء أن يتبخّروا؟ سيكبرون، حتماً، وهذا قانون طبيعي (مِن سوء حظّ بائعي الخوف)، وبالتالي سيقترعون في الدورة الانتخابيّة اللاحقة. أين المفرّ؟ بالتأكيد، المعنيّون يعرفون هذا، ولكن الخوف مِن الرقم، مِن شكله في ذيل لوائح المقترعين، هو السبب. التفاوت العددي بين المسلمين والمسيحيين حاصل، لـ«مصلحة» المسلمين، فهل نزيده (نكشفه) الآن، ولو قليلاً، بخفض سنّ الاقتراع! كلّا، لن نفعل، سنختبئ خلف أصابعنا، سنُداري سرّنا الصغير إلى الانتخابات التالية، ومِن ثم إلى التي تتلو التالية، وهكذا إلى الأبد. عبثاً يُقال لأصحاب «العقل الطائفي» إنّه لا جدوى مِن كلّ البهلوانيّات، ومختلف الحركات الصبيانيّة، إلا بإلغاء الطائفيّة السياسيّة. بعض الساسة يُفضّلون أن يؤخذ عنهم انطباع «الكراكوز» على أن يواجهوا الواقع... بواقعيّة. حسناً، لهم هذا. لا فرق بين مسيحي ومسلم هنا. الجميع يلعب هذا الدور، كلّ بما يناسبه، في لعبة الخوف ــ التخويف.
لقد أصبح تحديد سنّ الاقتراع بـ 18 عاماً عُرفاً عالميّاً. بعض الدول خفضته أكثر. هناك مَن غيّر مصير منطقة، بوسع الإقليم، ولم يكن يبلغ الـ 21 عاماً. أرشيفنا مليء بالنماذج. الجميع لديهم مَن يفتخرون بهم، بل يرفعونهم إلى مصاف الأساطير، مِمن كانوا دون تلك السنّ. فجأة يُصبح هؤلاء غير مؤهلين لفهم الحياة السياسيّة، وبالتالي لا يُمكن إشراكهم فيها، ولو اقتراعاً! الذين شاركوا في «7 آب» (عام 2001) كم كانت أعمارهم؟ المقاومون، الذين هم اليوم على مختلف الجبهات، ما هو متوسّط أعمارهم؟ الذين ملأوا ساحات التظاهر في لبنان، على مدى العقدين الماضيين، مِن مختلف الجهات، ألم تكن تلك الفئة العمريّة بمثابة النواة الصلبة بينهم؟ مَن الذين يَصرخون أكثر، يُقاتلون أكثر، يُقفلون الطرقات أكثر؟ مَن عمره 99 عاماً، مثلاً، يقترع، فيما ابن الـ 20 عاماً يُمنَع؟ ما حكاية هذا الرعب مِن أولئك الشبّان؟ رعب قديم دفع واضعي الدستور إلى الوقوف عنده (المادة 21 مِنه تُحدّد سن الاقتراع بـ 21 عاماً ــ مصادفة بريئة طبعاً!). أمّا سنّ الترشّح فلا يأتي الدستور على ذكرها، وهذا ما يفرض الدخول في متاهة (أو معجزة) التعديل الدستوري، ما يعني أنّها «ملعوبة صح» مِن زمن بعيد. عموماً، في الوقت الحالي، ربّما يكون مِن مصلحة مختلف القوى السياسيّة (مصلحتها بالمعنى الضيّق) ألا تقترع تلك الشريحة، في ظلّ إجراء الانتخابات وفق القاعدة النسبيّة. تلك الشريحة هي، غالباً، الأكثر راديكاليّة في مواقفها السياسيّة. هؤلاء إمّا تجدهم إلى جانب الأحزاب الناشطة في بيئتهم، بكلّ تعصّب، وإمّا تجدهم ضدّ تلك الأحزاب بتعصّب مماثل، وربّما أكثر. إنّهم ليسوا قلّة. ربّما هم أكثر فئة عمريّة، وخاصّة في زمن «التواصل الاجتماعي» الحديث وانفتاح العالم، يصعب السيطرة عليها. يُقال إنّ عددهم اليوم يبلغ أكثر من 200 ألف شاب وشابّة. عام 1996 كان عددهم نحو 150 ألفاً. اليوم مع النسبيّة، في مناطق المعارك تحديداً، بإمكان أصوات هؤلاء، لو أقرّ لهم أن يقترعوا، أن تُحدث مفاجآت.
كمّ مرّة قيل إن حرمان تلك الفئة العمريّة مِن حقّ الاقتراع يُعدّ مخالفة للدستور؟ أليست المادة السابعة مِنه تقول: «كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم»؟ فعندما يأتي قانون الموجبات والعقود ليُحدّد «سنّ الرشد القانوني» بـ 18 عاماً، ثم يأتي قانون الانتخابات ويُحدَّد سنّ الـ 21 عاماً للاقتراع، فكيف يتوافق هذا مع مساواة الدستور؟ كيف يسمح القضاء لنفسه بأن يُحاكم مَن عمره 20 عاماً، مثلاً، ضمن الراشدين، وبالتالي يُمكن إعدامه، ثمّ لا يكون له حقّ الاقتراع! ألا يوجب هذا أن يُحاكم وفق قانون الأحداث؟ هذا القانون الذي يُحدّد الحدث بـ«الشخص الذي لم يُتمّ الثامنة عشرة مِن عمره». ثمّة عداوة مستحكمة بين المنطق وقوانين هذه البلاد. سنّ الرشد واحدة، في كلّ شيء، ما عدا الاقتراع... إنّها «للراشدين فقط».