كادت جريمة قتل فردية في خلدة تُشعل فتنة. تضارب تقارير الأطباء الشرعيين بين مؤكد للجريمة ومستبعدٍ لها، وسط ضياع المحققين، كاد أن يطمس جريمة ويتسبب بإفلات مشتبه فيه. غير أن اعتراف الأخير أنقذ القضية. مرة جديدة، يظهر القصور الذي يعتري عمل أجهزة التحقيق الجنائي، والطب الشرعي.


بدأت القصة عندما عُثِر على جثتَي كل من ابراهيم الجوزو (مواليد ١٩٧٧) وخاله حامد الجوزو (مواليد ١٩٦٩) في محطة لتكرير مياه الصرف الصحي في خلدة صباح الجمعة الماضي. لم تعرف ملابسات ما حدث، ولا سيما أن الضحيتين يعملان في تنظيف مجاري الصرف الصحي. وترجيحات المحققين الأولية كانت تشير إلى احتمال قضائهما غرقاً، إلّا أن كشف الطبيب الشرعي عاصم حيدر على الجثتين استحضر فرضية القتل. لم يكن ذلك ثابتاً لدى المحققين في فصيلة الشويفات، إذ إن الإفادة الأولية لناطور مزرعة قريبة من مكان الجريمة (تحوّل إلى مشتبه فيه)، الذي أشار المحامي العام في جبل لبنان القاضي سامر غانم بتوقيفه، كانت ترجح فرضية الحادث العرضي.
أمام التناقض، كلّفت النيابة العامة لجنة أطباء شرعيين (مؤلفة من الأطباء: حسين شحرور، أحمد المقداد وميلاد عويدات) للتثبت من سبب الوفاة. المفاجأة كانت، الاختلاف الكبير في مضمون التقريرين الطبيين بين حيدر والأطباء الثلاثة. فقد استبعدت لجنة الأطباء فرضية القتل في تقريرها، لتركن إلى فرضية الحادث.
مجدداً، كلّف القضاء طبيباً شرعياً (خامساً) بالكشف على الجثتين لحسم النزاع (الطبيب نضال سيف الدين). وعلى وقع هذه التحقيقات، كانت دماء أهل برجا تغلي. قطع طرقات وسط أجواء شحن طائفي، ولا سيما أن القتلى من عائلة كبيرة في برجا تُحسب على تيار المستقبل، فيما المشتبه فيه بالقتل من عائلة محسوبة على الحزب الاشتراكي. تسارعت التحقيقات وسط وساطات لاحتواء الشارع خوفاً من تدهور الأمور.
الطبيب الشرعي الأول رجّح في خلاصة تقريره أن يكون ابراهيم قد «تلقى ضربة بآلة صلبة على الجبهة تسببت بوقوعه في مياه الصرف الصحي، ما أدى الى فقدانه الوعي ووفاته غرقاً». ورجح حيدر أن يكون القتيل الثاني حامد قد «تلقى ضربة بآلة صلبة على رأسه تسببت بكسر الجمجمة وحصول نزف تسبب بتوقف عمل القلب والرئتين». وذكر أنه عاين في الجثة «شرخاً في الجمجمة وجرحاً قطعياً في مؤخرة الرأس تسبب بنزف شديد».
في المقابل، خلصت لجنة الأطباء الى أنه «لا يوجد كسور في جمجمة حامد، إنما كسر في الفك العلوي وكسر في الفقرة العنقية الثانية، ما تسبب بالوفاة». وذكر تقرير اللجنة أن «هذا الكسر غالباً ما يحدث في حوادث السير وعند السباحين الذين يقفزون في المياه». وأضاف أن «سبب الكسر ناجم عن سقوط الضحية في البركة والرأس إلى أسفل». كذلك أشار تقرير لجنة الأطباء الى أن الكشف على جثة ابراهيم أظهر «وجود جرح فوق الجفن الأيسر ناتج عن الارتطام بجسم صلب». ورجح أن تكون «الوفاة ناتجة عن الاختناق غرقاً».
التقريران المتناقضان يشتركان في القفز إلى استنتاجات ليست من صلب عمل الطب الشرعي. فعلى سبيل المثال، وجود جرح في الرأس نتيجة جسم صلب لا يسمح للأطباء الشرعيين بتحديد ما إذا القتيل قد تعرّض للضرب بهذا الجسم، أو أن رأسه ارتطم صدفة بالجسم الصلب.
كما أن التفاوت الكبير في مضمون التقريرين الشرعيين (وجود كسر في الجمجمة أو عدمه) يفرض فتح تحقيق قضائي والاستماع الى إفادة الأطباء الشرعيين الذين عاينوا الجثتين. كذلك ينبغي إخضاع المحققين الأمنيين للاستجواب، ولا سيما أن الضالعين في التحقيق كانوا سيركنون الى استنتاج الأطباء الشرعيين للحسم في ملف التحقيق. وإنه لولا اعتراف المشتبه فيه بالجريمة لكان أقفل الملف على قاعدة «القضاء والقدر». التخبط لم يكن في التحقيقات فحسب. فضيحة أخرى سجّلها مستشفى. إذ يقول عبدالله الحاج، قريب القتيلين، لـ«الأخبار»: «رغم أننا أخذنا إذناً خطياً بدفن الجثث، فوجئنا برفض تسليمنا الجثتين من المسؤول عن الطوارئ في المستشفى. وبعدما كانوا قد أخبرونا أن ابراهيم وحامد قُتلا، أبلغونا أن لجنة أطباء ستعاين الجثث مجدداً للتأكد من سبب الوفاة إذا ما كانت طبيعية أو أن هناك جريمة». وتحدث الحاج عن رفع شكوى إلى وزارة الصحة ضد المستشفى، متحدثاً عن إهمال فاضح تسبب بقطع الكهرباء عن البراد، ما تسبب بتعفّن الجثتين.
تجدر الإشارة الى أن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أصدرت بياناً يفيد أنه «بعد التعمق بالتحقيق وبالاستماع الى إفادات الشهود بأدق التفاصيل، ولدى مواجهة أحدهم بأدلة دامغة، ويدعى: ز. ب. (مواليد عام 1965، لبناني)، اعترف بارتكابه الجريمة بسبب خلاف شخصي معهما، حيث أقدم على ضرب الأول بلوح خشبي على رأسه، ما أدى إلى سقوطه في الحوض. وعند قيام خاله بالتسلق على درج حديدي للصعود من الحوض لمساعدة ابن شقيقته، أقدم الموقوف على ضربه أيضاً باللوح ذاته وسقوطه، الأمر الذي سبب وفاتهما. وقد تطابقت الاعترافات مع كشف الأطباء وفسرت الضربات التي تلقياها جراء التعرض لهما، وقد تم ضبط أداة الجريمة». وتجدر الإشارة إلى أن المديرية أيضاً شاركت في استباق التحقيق، من خلال عدم انتظارها نتيجة فحص «الحمض النووي» للآثار الموجودة على اللوح الخشبي الذي حسمت أنه «أداة الجريمة».