الدكتور أنطونيو فرح

لما انتُخِبَ يوحنّا العاشر بطريركاً، سُرِرْتُ معتبراً أنّ الإصلاح والتغيير آتيان لا مُحال...
حماستي الصاخبة دفعتني إلى اعتبار البطش وقطع الرؤوس سبيلاً للانطلاق نحو الأمل المرجوّ، لكني أتساءل اليوم، أوَليس نقيض المحبة؟
اليوم، وبعد التمحّص والتّدقيق والتعلّم من التّجارب والصّعوبات، أدركتُ أنّ ما من أحدٍ في إنطاكية الأرثوذكسية يريد ــ ضمناً ــ أن يفعل شيئاً مفيداً... إلا البطريرك نفسه، ولا أحد يسعى إلى «اللملمة» بل إلى «البعثرة»!

نسمع أصواتاً وهيئات لا تلبث أن تنبثق تأسيساً حتى تلاقي... حتفها. يجتمعون و«يتبطركون» ويستنكرون ويعارضون ويطالبون، وعندما يفشلون يلقون اللّوم على البطريرك.
إلى البعض الكثير من هؤلاء، وغيرهم، وبمحبّة خالصة أقول:
لماذا لا تُقيِّمون عهد يوحنا العاشر يازجي على أسس خطف شقيقه المطران بولس المغيَّب والحرب السورية وتداعياتها، وما يُنجزه السيّد البطريرك من إعادةٍ لإعمار الكنائس والمطرانيات والمستشفيات والمستوصفات والجامعات المستحدثة في سوريا، وعمليات الإغاثة والمساعدات اليوميّة لأهلنا وغيرهم، ناهيك عن لملمة «العورات المستورة»؟
علماً بأنّ البطريرك يوحنا هو أسقف دمشق «بحسب رأيهم»، وعندما «يَنْزَرِكُون» بالمغانم وتقاسم الجبنة يصبح أسقفاً ولا يحق له التدخّل في شؤون الأبرشيات!
لماذا لا تبصرون ــ على الصعيد اللّبناني ــ الدور الوطنيّ المميّز الذي يمارسه السيّد البطريرك بمواقفه الوطنية تارةً، وبِصَمته «البليغ» تارةً أخرى، والذي به يتميّز حين يغدو الكلام غوغائيّة... في كيانٍ مبعثر؟
لماذا يكون البطريرك وحده دوماً مسؤولاً عن كل الثغرات والمعضلات والهزّات والملفّات الأرثوذكسية التي أصلاً هي موروثة بثقلها وهَوْلِ تراكماتها من... سنين غابرة؟
وعند تقاسم المغانم والحصص تحصرون كيانه في أسقفية الشّام... وتوابعها؟
هل ينبغي للبطريرك أن يضرب بالعصا وينتعل «جزمةً» عثمانية أو سفاراتيّة كي يتمّ الإصلاح في الأرثوذكسية – خلافاً للقانون – الذي شدّد البطريرك على ممارسته «بالمجمعيّة» التي تعتبره «متقدّماً بين متساوين primus inter pares»، وتجعله بطريركاً بين بطاركة أبرشيات مغلقة على المناقشة والمحاسبة؟
في الكثير من الطّلبات والصّرخات والمناشدات حقائق ثابتة وأكيدة «بغضّ النّظر عن الغايات والأهداف»، لكن المعالجة تكون وفقاً للقانون المعمول به في إنطاكية إما التزاماً أو تعديلاً وعليه، التزاماً بالقانون، البطريرك هو متقدّم بين متساوين ولا يمنحه القانون نفسه اتخاذ القرارات الحازمة إلا بواسطة المجمع، وبالتصويت إمّا إجماعاً أو بثلثي الأصوات، «أصوات البطاركة مطارنة الأبرشيات».
أما التزاماً بالقانون تعديلاً، فليُبادر المطارنة كلّهم «بوقفة ضمير» إلى إعلان حالة الطوارئ الإنطاكية والتضحية في سبيل بقائنا في شرقٍ «يُعْجَنُ من جديد»، وليُعدِّلوا القانون لمنح البطريرك صلاحيّات أوسع لاتخاذ القرارات في الحالات الاستثنائية، وتفعيل دور الرقابة والمحاسبة في الأبرشيات وإعلان سنّ تقاعد للمطارنة في أبرشيّاتهم وتفعيل دور الأرثوذكسيين العلمانيين في المجالس والرعايا، والتشدّد في موضوع بيع الأوقاف واستثمارها واستحداث منهجية جديدة لعمل المؤسّسات الإنطاكية...
خلاصة ما تقدّم أنّ بداية المشوار تكمن في تواصلكم أو ضغطكم أو محاورة «بطاركة» أبرشيّاتكم للوصول إلى الغاية المرجوّة التي تُطْلَقُ من خلالها ورشة الغد: «تعديل القانون الإنطاكي».
يوحنّا العاشر يعلم تماماً أنّ غاية واضحة المعالم لدى بعض البطريركيات الأرثوذكسية ولدى بعض السفارات ولدى بعض الكلّ، بنشر «الفوضى الخلّاقة» في إنطاكية وصولاً إلى انشقاقها فإلغائها من الوجود الأرثوذكسي.
لك يوحنا العاشر نقول: نحن من خلالك والتزامك وترفّعك ومشروعك وعهدك وآلامك الصّامتة، نتوق إلى التّغيير.
نحن بك، ومن خلالك نحاول ونثابر «بصعفاتنا وآثامنا وجشعنا» أن نصنع المستحيل... وننتظر: أوَلسنا جماعة الروح؟
وهو يهبّ «حيث وحين يشاء»، والسّلام. (يتبع)