على الرغم من أن الأبحاث الأولى في مجال الشبكات العنكبوتية «الإنترنت» تعود إلى منتصف القرن الماضي، مع بروز الحاجة إلى شبكات لنقل المعلومات أبعد من قدرة أنظمة الاتصالات التقليدية المتوافرة، إلا أن هذه التكنولوجيات ظلت أسيرة قطاعات معينة داخل مؤسسات الدول الكبرى، مثل وزارة الدفاع الأميركية ووكالات الفضاء ودوائر أخرى مغلقة.


ولم تحدث «الثورة» المعلوماتية بشكل جماهيري واسع إلا بعد السماح بخروجها إلى القطاع التجاري إثر فهم أهمية التغييرات التي ستحملها على مستويات متنوعة في العالم. ومنذ أوائل التسعينيات حتى اليوم، تغير العالم بشكل جذري على كافة الأصعدة، حيث انهارت صناعات وازدهرت أخرى واندثرت قطاعات اقتصادية وولدت بدائلها، واختلف مفهوم الصحافة والإعلام، وصارت الأغنية والفيلم والأخبار في متناول نقرة (click) على شاشة. وبدلاً من الكتاب والمجلة صارت الشبكة العنكبوتية مصدراً غزيراً وجارفاً في كل القطاعات، بحيث يضخ يومياً دفقاً من المعلومات يفوق إصدارات سنوات من قطاع الإعلام والمعلومات التقليديين. لم تعد المصانع كما كانت وحيث كانت، بل صارت تتواجد في أي مكان مناسب على سطح المعمورة بمجرد وجود عمود إرسال يبث إشاراته نحو قمر اصطناعي ينقلها إلى النصف الثاني من العالم، حيث تتمركز إدارة تخزن معلوماتها وبياناتها على خوادم (server) متواجدة في مكان آخر أو أمكنة أخرى بتقنيات التخزين السحابي (cloud storage) التي توفرها شركات ثالثة على عدة خوادم تؤجرها للشركات وتدير أمنها والوصول إليها. معها صار مفهوم التعاقد الخارجي (outsourcing) ليس امتيازاً لبضع شركات متعددة الجنسيات، بل خدمة متوافرة لأصغر الشركات والأفراد. وفي هذا العالم المتغير، تتغير الأفكار وتحول العادات الاجتماعية والمفاهيم ربطاً بالتغيرات الحاصلة في وسائل الإنتاج المادي الجديدة. كل هذا التطور التقني في الاتصالات والبرمجيات والشبكيات أتاح الصعود الصاروخي لوسائل التواصل الاجتماعي في خلال سنوات قليلة ماضية حتى أصبحت محفورة في الوعي البشري، وكأنها كانت ترافقنا منذ نشأتنا. يكفي أن نقول أن حوالي ثلث البشرية، وهو رقم في تزايد مطرد، تعيش اليوم في عالم افتراضي مليء بالمعلومات المفيدة وغير المفيدة، وترتبط به ارتباطاً مباشراً من خلال هاتف محمول لا يبارح اليدين حتى نتيقن أن للعلاقات الاجتماعية ولأدوات التواصل اليوم أشكالا أخرى لم تكن قد انتشرت في الماضي القريب جداً (عند انتخاب المجلس النيابي اللبناني الحالي مثلاً)، ولم تكن قد وصلت إلى بلادنا على الإطلاق عندما غزا الأميركيون العراق على سبيل المثال. لقد تغير العالم سريعاً جداً.
تلك هي سرعة التطور الحاصل على غفلة من الزمن وهي تفوق قدرة الكثيرين على اللحاق بمتغيراتها. يكفي أن نذكر أن هاتفاً محمولاً واحداً اليوم يحوي برمجيات وتقنيات ويرسل ويتلقى معلومات وبيانات أكثر مما حملته وأرسلته مركبات الفضاء التي سبرت أغوار الكون ووصلت إلى بعض كواكبه. وفيما تكفي اليوم شريحة صغيرة لا تتخطى أبعادها سنتيمترات قليلة لإدارة كل هذه البرمجيات والمعلومات، احتاجت تقنيات مشابهة منذ عقود قليلة إلى مساحات تخزين ومتابعة تملأ مشغلات وخوادم بحجم غرفة كبيرة. وإن كان البعض من الجيل الجديد لا يستطيع تخيل كيف كان العالم ممكناً دون هذا المحمول الذي يرافقه ليلاً نهاراً، إلا أن بعضا من الأجيال الأكبر لا يزال يقف حائراً أمام الصورة والصوت الآتيين إليه وباللحظة نفسها من آلاف الكيلومترات البعيدة. وما كدنا نتمكن من فهم التقنيات السابقة التي سمحت بتسجيل الصوت والصورة وإعادة بثها لاحقاً بقتنيات الفيديو أو DVD، حتى لاقتنا معضلة فهم آليات البث المباشر عبر الإنترنت وبهذه الكفاءة العالية.

خرق علمي حديث

تُنقل المعلومات بواسطة ترددات كهرومغنطيسية تماماً مثل الاتصالات، أو من خلال موجات ضوئية أكثر كفاءة. لذا تتعدد وسائل نقل المعلومات اليوم بين تقنيات الألياف الضوئية، والكابل، والأقمار الاصطناعية وعبر خطوط الهاتف بتقنية ADSL. وتبقى التقنية الأسرع، وبعدة مرات من الخدمات الأخرى، هي الألياف الضوئية التي تحول الترددات إلى إشارات ضوئية وتنقلها عبر ألياف من مواد شفافة وذات جدران داخلية تقوم بعملية انعكاس كلي للضوء داخل الألياف لتصل بسرعة فائقة إلى مسافات كبيرة جداً وبكفاءة عالية إنما بكلفة أكبر. تنتشر الألياف الضوئية في الكثير من دول العالم لكنها لم تدخل لبنان بعد. إلا أن الخرق العلمي الحديث تمثل في التوصل إلى تقنية مشابهة للألياف الضوئية لكنها أسرع بمئات إلى آلاف المرات منها، وذلك في اكتشاف حديث في إحدى جامعات لندن أخيراً. وتعتمد هذه التقنية على بث المعلومات من خلال موجات ضوئية مجزأة إلى 15 تردداً مختلفاً وتلقيها على مستقبل واحد على الجهة الأخرى يعيد جمع المعلومات الواردة فيها وتحويلها إلى إشارة موحدة. وبعد نجاح التجارب المختبرية، من المتوقع أن تدخل التجارب المرحلة الأوسع وعلى مسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات لتدخل بعدها مرحلة الإنتاج الواسع، وهو ما لن يطول كثيراً. هذه القفزة النوعية التي تزيد من سرعة نقل المعلومات بآلاف المرات من أفضل السرعات الموجودة حالياً سوف تتيح إمكانية تنزيل فيلم كامل من ساعتين خلال أجزاء من الثانية، وبدل انتظار دقائق لتنزيل كتاب، سيصبح من الممكن تنزيل مكتبة عامة كاملة خلال الوقت نفسه.

الآتي أعظم

في عالم يقطنه 7 مليارات بشري يوجد 8 مليارات هاتف موصول إلى الشبكة المعلوماتية. هذا المعطى يكاد يكون كافياً كي نرى كيف ستتطور الأمور مستقبلاً. إذ إن التطبيقات الهاتفية التي يجري تطويرها اليوم، مع سرعة نقل المعلومات، سوف تؤدي إلى تحويل الكثير من التقنيات المعاصرة إلى أدوات هامشية.


يوجد 8 مليارات هاتف موصول إلى الشبكة المعلوماتية
إدارة الحياة الشخصية والعامة وتسيير المرافق سوف تتم من برنامج على هاتف، فيما ستتألق شركات عملاقة تتداول مليارات الدولارات سنوياً من دون أن تملك أية أصول رأسمالية مادية قيمة باستثناء بضعة مقرات وخوادم وحواسيب. ويبدو جلياً ان خدمات من نوع سيارة الأجرة التقليدية أو خدمات التوصيل (delivery) سوف تكون من أولى الضحايا. إذ تنتشر في الدول الغنية اليوم، وحديثاً في لبنان بشكل محدود، شركة تاكسي تدعى (Uber) صارت من كبرى شركات النقل في العالم لكنها لا تملك أية سيارة أجرة بل تقوم بالتعاقد مع أصحاب السيارات لتأمين التواصل السريع بينهم وبين الزبائن لتجني الأرباح منهما معاً. هي ببساطة تقوم على تطبيق على الهاتف وبرمجيات، تحدد مكان المستخدم ومكان السيارة الأقرب إليه من خلال الأقمار الاصطناعية وتعلم السائق بمكان وجود المستخدم ومكان وأين يريد أن يذهب. خلال دقائق تأتي إليك السيارة التي تلقى سائقها أمراً من برنامج مستقل، ويوصلك إلى هدفك وتُحسم قيمة المبلغ من بطاقتك الائتمانية المعرفة على التطبيق بعد تنزيله. خلال أشهر، حلت هذه الشركة مكان شركات النقل التقليدية في معظم أوروبا وأميركا وهي اليوم تتوسع في أنحاء أخرى من العالم. أما خدمات التوصيل فبدأت مراحلها التجريبية، حيث تحدد الأجهزة موقع المستخدم عند اتصاله أو تسجيل طلبيته عبر الموقع أو التطبيق الهاتفي، وترسل له مباشرة طائرة صغيرة من دون طيار (drone) محملاً بطلبه إلى موقعه بشكل دقيق دون الحاجة إلى المرور بسائقين وسيارات وزحمة سير. أما السيارات من دون سائق، فبدأت مراحلها التجريبية وقد تغزو الأسواق خلال سنوات لتصبح إدارة النقل من وظيفة برنامج مزود بالمواقع والخرائط والتعليمات، وأقل ارتكاباً للأخطاء من السائق العادي. وستشهد ميادين الإنتاج تكاملاً بين التطورات العلمية والتكنولوجية وثورة الاتصالات والمعلومات حيث ستنظم وسائل الري نفسها بنفسها تبعاً لظروف المناخ وأحول التربة والهواء، وكذلك تبعاً لأحوال الطقس في الأيام الأيام التالية، والتي ستتزود بها من برمجيات أخرى تترقب ظروف الطبيعة وتقدم الاستنتاجات لها، فتقرر برمجياتها الموجودة في دول أخرى كيفية التصرف في هذه الظروف.
كذلك ستزيد القدرة على الربط بين أجهزة معقدة ومتباعدة لتصبح على تواصل حي ومباشر ما سيضاعف من إمكانات الإدارة والتحكم، وسيصبح العمل عن بعد بسهولة العمل من المكتب وقد تنتفي الحاجة إلى وجود مكاتب في ظل إمكانية التواصل الحي عبر كاميرات في المنزل. ستوفر الشركات تكاليف المكاتب والإيجارات، ويوفر الموظف تكاليف النقل وعناء التنقلات، وستوظف الشركات المزيد من العمال من دول أجنبية دون الحاجة إلى الهجرة أو السفر. هي مجرد أمثلة بسيطة عن واقع بالغ التعقيد والتطور، بدأنا نرى بعض إرهاصاته إلا أن ما خفي كان أعظم.




الفجوة الرقمية
إعداد ناتالي راميريز- دجومينا. ويستند النص والرسوم البيانية إلى تقرير التنمية العالمية 2016:
العوائد الرقمية، الصادر عن البنك الدولي في كانون الثاني 2016. | للصورة المكبرة انقر هنا

رغم سرعة انتشار وسائل التكنولوجيا الرقمية، لا تزال ثمارها المرتقبة من حيث ارتفاع النمو وزيادة فرص العمل غير مواكبة لهذه السرعة.
يشهد كثير من أنحاء العالم انتشاراً سريعاً لوسائل التكنولوجيا الرقمية — أي الإنترنت، والهواتف المحمولة، وكل الأدوات الأخرى لجمع المعلومات وتخزينها وتبادلها رقمياً. فقد زاد عدد مستخدمي الإنترنت بأكثر من ثلاثة أضعاف في العقد الماضي — من مليار نسمة في 2005 إلى ما يقدر بنحو 3.2 مليار نسمة في نهاية عام 2015 . ولكن هذا الانتشار لم تواكبه المكاسب الرقمية المرتقبة من حيث ارتفاع النمو وزيادة فرص العمل وتحسن الخدمات العامة. وطبقاً لتقرير جديد أصدره البنك الدولي في 2016 بعنوان تقرير عن التنمية البشرية في العالم: العوائد الرقمية، لا يزال ما يقرب من 60% من سكان العالم — أو 4 مليارات نسمة ـ محرومين من الاتصال بشبكة الإنترنت ولا يمكنهم المشاركة الكاملة في الاقتصاد الرقمي. وبالإضافة إلى ذلك، نشأت مخاطر جديدة في مقابل بعض منافع الإنترنت، مثل ضعف مناخ الأعمال والمصالح التجارية المكتسبة التي تحدّ من المنافسة وتحول دون الابتكار في المستقبل.
ومن المهم سدّ الفجوة الرقمية المتبقية عن طريق جعل شبكة الإنترنت متاحة ومفتوحة وآمنة، وبسعر في المتناول على مستوى العالم، ولكن هذا لا يكفي. فالاستثمارات الرقمية تحتاج أيضاً إلى دعم من المُكَمِّلات المناظرة — من خلال قواعد تنظيمية أقوى لضمان المنافسة بين الشركات، وخطط عمل لتزويد العمالة بمهارات أنسب للمتطلبات الجديدة، ومؤسسات أكثر مسؤولية عن تحسين الخدمات العامة.




إشكالية المستقبل


لا شكّ أن ثورة الاتصالات والمعلومات لا تزال في بدايتها، وأن هناك الكثير من القفزات المعرفية الاتية لتضيف إلى ترساناتنا المعرفية والتواصلية وسائل ووسائط أفضل، وأن أدوات الإنتاج الصناعية والخدماتية والبرمجية والعلمية ستتغير بشكل ثوري خلال عقدين آخرين. إلا أن ما لا شكّ فيه أيضاً ان الاعتداء على خصوصيات الناس وتفاصيل حياتهم وبالتالي على الحريات العامة، سيزداد توسعاً وتعمقاً مع كل تطور تقني حاصل وسوف يسهل من سيطرة البرمجيات على كل معلوماتنا وذكرياتنا وهواجسنا وأحلامنا لمصلحة جهاز أمني حيناً أو لشركات معلوماتية تبيع أنماط تصرفاتنا وأهوائنا إلى شركات تجارية وإعلانية وتسويقية. هنا تكمن إحدى أبرز التناقضات المستقبلية بين حق الولوج إلى وسائل التواصل وبحر المعلومات الهائل المتوفر لأهداف معرفية أو ترفيهية أو بحثية، وبين الولوج المعاكس إلى خصوصياتنا الفردية لأهداف أمنية أو تجارية.




الخصوصية والحريات العامة في خطر

أتاحت هذه الثورة التكنولوجية تحولات من نوع آخر إذ صار كل جهاز رقمي موصول على الشبكة مصدراً محتملاً لإرسال المعلومات منه وليس فقط لتلقيها، وهو ما يفتح شهية وكالات الأمن الرسمية والخاصة، وكذلك المتطفلين والقراصنة، على غرف معلومات المستخدمين الشخصية بشكل منتظم ومباشر ومجاني أيضاً. إذ ان معظم التطبيقات الشعبية الموجودة تقريباً على كل الهواتف الذكية، بموافقة المستخدم عند تنزيلها (دون أن يقرأ أو يعي ذلك أحياناً ضمن الشروط)، تتيح للشركات المشغلة الوصول إلى كل البيانات بما فيها الصور والمحادثات ولوائح الاتصال والرسائل، وهو ما ينطبق أيضاً على أجهزة الكومبيوتر واللوحات الرقمية. وهذا يعني عملياً ان كل معلوماتنا متوفرة مجاناً لشركات نجهل هوية أصحابها ومشغليها، وأن معظم المستخدمين مكشوفون بالكامل. وإلى جانب التطبيقات الذكية ووسائل التواصل، تنشتر حولنا جيوش من الكاميرات الرقمية التي صارت اليوم عالية الجودة، في الشوارع والمؤسسات والأماكن العامة والتي تشغلها الدولة والمؤسسات الأمنية والمؤسسات الخاصة لتسجل تفاصيل حركتنا وتبثها بشكل مباشر للتخزين في خوادم قد تكون هي نفسها تحت سيطرة شركات عالمية تعطي حق الولوج إلى بياناتها إلى وكالات أمن رسمية. وكان لافتاً مؤخراً النقاش العلني الذي شارك فيه بعض مؤسسي وسائل التواصل الاجتماعي حول إمكانية استخدام كاميرات وميكروفونات كل هذه الأجهزة لتصوير وتسجيل أدق تفاصيل الحياة اليومية للمستخدمين. لا يعني هذا الأمر أن كل مواطن هو تحت المراقبة الدائمة إذ لا توجد إمكانية عملية لتتبع مليارات المستخدمين معاً ومباشرةً، إلا أن الحقيقة الواضحة أن كل هذه البيانات والمعلومات يتم تخزينها ويمكن الوصول إليها عند الحاجة من قبل أي جهة رسمية أو أي قرصان متمكن.