تُشير الساعة إلى الرابعة عصراً. احتشدت مجموعة كبيرة من الناشطين والناشطات أمام مدخل المسبح الشعبي عند شاطئ الرملة البيضاء، استعداداً للانطلاق في المسيرة الاحتجاجية ضدّ المشروع الاستثماري الذي يُعرف بـ"الإيدن روك" وبوشرت أعمال بنائه منذ أكثر من شهر، بدعوة من عدد من الجمعيات والمنظمات الأهلية والبيئية والحقوقية.


عند الشاطئ مباشرةً، أناسٌ استغلّوا حرارة الطقس المناسبة للاستجمام وارتادوا "الرملة البيضاء" بعد ظهر السبت. بعض هؤلاء لم يعرفوا سبب "التجمهر" الحاصل على الرصيف فوق مدخل المسبح الشعبي. لم يسمعوا بمشروع "الإيدن روك" ولا بصاحبه وسام عاشور. هم يرتادون البحر منذ سنوات لكنهم لا يعرفون ما يجري. ربما "لأننا لا نتابع الأخبار والصحف"، تقول شابة كانت تتمشى على الشاطئ مع صديقها. البعض الآخر راح "يتحزّر" ويتساءل: "هل (التجمع) له علاقة بأعمال الحفريات هناك؟ (في إشارة إلى الأعمال التي تُقام على العقار الملاصق الذي يُقام المشروع عليه)".


بعض رواد الشاطئ لم يسمعوا بالمشروع، والبعض الآخر وجدوا أن التحركات لن تجدي نفعاً
فئة قليلة من رواد الشاطئ "أقرّت" بأنها على علم بالمشروع وبـ"السعي إلى سرقة البحر"، على حدّ تعبير أحد الشبان الذي كان برفقة نرجيلته. لماذا لا تنضّم إلى التجمّع كي تتمكن من الحفاظ على حقك في ارتياد الشاطئ بحرية؟ "لم يقولوا إنهم سيبيعون المسبح الشعبي، حيث نرتاد، يقولون إن المشروع لن يشمل المسبح (..) كذلك فإن هذه التحركّات لن تجدي نفعاً، فلماذا أُشارك؟".
يختصر هذا المشهد، واقع الكثير من التحركات المطلبية التي تُعاني من "ضعف" في استدراج الفئات المُتضررة مباشرة من سطوة المُستثمرين ومن جور السلطة. يقول أحد المنظّمين إن بعض الناشطين حاول أن يدعوا أولئك الناس إلى الانضمام إلى المسيرة، لكن التجاوب كان محدوداً. هذا الأمر يُعيد طرح المعضلة القائمة بين منظمات "المجتمع المدني" و"الناس" على حدّ تعبير أحمد (24 عاماً)، الذي يجد أن المسؤولية تقع على الخطاب "المدني" العاجز عن استقطاب الناس. يردّ رئيس جمعية "الخط الأخضر" علي درويش على هذه النقطة بالقول: "هل المطلوب أن نستخدم خطاباً طائفياً عصبياً للحشد؟"، في إشارة إلى أن جزءاً كبيراً من الجماهير تتحرّك عبر شحن طائفي، لافتاً إلى مُشكلة "الشعب المُدجّن".
يتقاطع قول درويش مع ما يقوله الوزير السابق شربل نحاس بشأن رضوخ الجماهير التام للنظام وللسلطة. يرى نحاس أن التحرّك في مواجهة المشروع ليس مطلبياً، "هو مواجهة سياسية بحت مع عصب النظام (...) المسألة أولاً وأخيراً تتعلّق بالنظام"، مُشيراً إلى أن "الأقلية هي التي تواجه دائماً".
فعلياً، نجح المُنظّمون، أول من أمس، في استقطاب حشد لا بأس به من الناشطين والناشطات ممن ساروا باتجاه مشروع "الإيدن روك"، وصرخوا ضدّ صاحب المشروع وضدّ محافظ مدينة بيروت القاضي زياد شبيب وضدّ وزارة الأشغال العامة والنقل. طالبوا بسحب الرخص حفاظاً على الحق العام، هذا المفهوم "الغريب" الذي لم يجد من يناصره طوال سنين مضت. كثير من هؤلاء قالوا إن مشهد "الصور التي تُظهر أعمال جرف الشاطئ بشكل همجي استفزّتهم ودفعتهم إلى المُشاركة". البعض الآخر قال إنه لم يكن يعرف بالمشروع، مع أن "مشروعاً كهذا يجب إيقافه قبل بدئه".
تأخر التحرّك الميداني الجامع على الرغم من أن الأشغال في المشروع بدأت منذ فترة. في الفترة السابقة كانت قلّة من المنظمات والناشطين والناشطات يتحرّكون. أُقيمت اعتصامات متفرقة، إلا أن الجهد انصبّ على دراسة الواقع القانوني للعقارات هناك، وكان الرهان أن "يقتنع" محافظ المدينة بوقف المشروع.
تجنّب المنظمون خلال التحرّك مواجهة القوى الأمنية التي كانت مُستنفرة عند مدخل المشروع، ومنعت الناشطين من الدخول إلى شاطئهم وبحرهم. حضر إلى التحرّك كل من عناصر فصيلة الرملة البيضاء، عناصر طوارئ بيروت وعناصر فوج التدخّل السريع في وحدة القوى السيارة. وقف هؤلاء حمايةً للمشروع وبوجه المطالبين بحفظ الملك العام. وبناءً عليه، عاد المُشاركون إلى المدخل المجاور ونزلوا إلى الشاطئ لتكريس حقهم في البحر. ذكّر البيان الموحد للمنظمّات، الذي تلته الناشطة عبير سقسوق (من بيروت مدينتي) وجسيكا الشمالي (من جمعية نحن)، بعدم مشروعية المشروع الذي "يُقام بسرعة قياسية بالرغم من غياب المُستندات والأصول القانونية لملف رخصة البناء"، مُشيراً إلى أنّ بلدية بيروت ومحافظها وافقا على الترخيص المُعجّل بحجة الملكية الخاصة.
طالب المشاركون والمشاركات في المسيرة بـ:
- الوقف الفوري لمشروع Eden rock، عبر ممارسة كل إدارة ومؤسسة عامة لواجباتها.
- الوقف الفوري للأعمال في الموقع، بسبب عدم قانونية رخصة البناء.
- مطالبة وزارة الأشغال التأكيد والتشديد على تنفيذ كتبها المتعلقة بسرقة الرمول والتعدي على الأملاك العامة البحرية.
- مطالبة التنظيم المدني بوقف إعطاء الاستثناءات على كامل ما بقي من شاطئ بيروت.
- مطالبة وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي باتخاذ الإجراءات الفورية لوقف الأعمال في الموقع، بناءً على كتابي وزارة الأشغال العامة".
اللافت أن من "حرّك" المسيرة وأضفى عليها "صخباً" مجموعة من الصبية الذين يرتادون الشاطئ، تركوا "ماتش الفوتبول" الذي كانوا يحضرونه وأتوا "ليعملوا جوّ"، وفق ما قالوا. ألا ترتادون الشاطئ؟ "بلى ونحن أكثر المتضررين"، هل هذا يعني أنكم شاركتم وستُشاركون في التحركات المُقبلة؟ "كلا، أتينا لنتسلّى لأن الاصطفافات السياسية أقوى منا". يُجيب أحدهم.