ثلاثة رؤساء للحزب السوري القومي الاجتماعي تبدّلوا، بين عامَي 2001 و2016، وهي لا تزال ثابتة في مكانها. ناموس مكتب الرئاسة رندا بعقليني التي تُبادر عند كلّ عهد جديد إلى تقديم استقالتها وتُرفض، حاضرة لتستقبل ضيوف الطبقة السابعة في مركز الحزب في الروشة، بكل لطافتها. تقوم بالواجب حتى يحين موعد اللقاء مع الرئيس الحالي علي قانصو، الذي يعود إلى مكتبه للمرّة الرابعة في ظروف حزبية وسياسية صعبة. الملفات التي تتكدّس أمامه عديدة، منها: تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري وضمان حصّة لـ»القومي» فيها، التحضير للانتخابات النيابية وتحديد «الحلفاء» في المناطق، إضافة إلى وحدة الحزب مع الفرعين الآخرين في الشام ومحاولة تخطي تبعات التعديل الدستوري الذي سمح للرئيس السابق أسعد حردان بالترشح لدورة ثالثة، ثمّ قرار المحكمة الحزبية إبطال هذا الانتخاب، وصولاً إلى إقالة عضوين من المحكمة الحزبية كإجراء وصفه كُثر بـ»الكيدي».

تمّر دقائق عدّة على بدء الدردشة مع قانصو، قبل أن يرنّ هاتفه مقاطعاً.

اتصال طويل يتخلّله سؤال الوزير السابق للمتصل عن آخر التطورات في ما خصّ تشكيل الحكومة، التي يهم «القومي» أن يحصل على مقعد فيها. هذا الحزب هو من صلب فريق الثامن من آذار ويتولّى التفاوض باسمه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي. يبدو مُستغرباً إصرار حزب، لا يحصر نفسه بإطار طائفي، على الحصول على حقيبة «أرثوذكسية».


استقال عضو المحكمة مصطفى الشيخ علي، وفُصل الرماح وغصن
وقنيزح من الحزب

يؤكد قانصو (رداً على سؤال) أنّ الهدف ليس منح حردان جائزة ترضية بعدما أُبطلت رئاسته، بل «رفض تحديد حصتنا بطائفة واحدة». خلال تهاني عيد الاستقلال في القصر الجمهوري، أبلغ وزير الخارجية، جبران باسيل، حردان أنّ هناك صعوبة في إعطاء مقعد لـ»القومي» من الحصة المسيحية، ولكن «نحن أبلغناه أننا مصرون على ذلك». يشرح قانصو أنّ الخيار رسا على حردان «لأنه بحسب الكفاءات التي لدينا هو الأقدر وصاحب الخبرة».
قد لا تلاقي تمنيات «القومي» وحساباته الحصيلة النهائية لمشاورات التأليف، فلا يبقى لها إلا مقعد «شيعي». لا يخفي قانصو أنّه عندها سيكون هو «المختار» ربما، علماً بأنه بحاجة إلى إذنٍ من المجلس الأعلى لأنّ رئيس الحزب يمارس مهماته متفرغاً.
الموقف من الحلفاء إيجابي، «فالكلّ يقول إنه يجب أن نتمثل في الحكومة». ينسحب ذلك على التيار الوطني الحر، الذي تعامل سابقاً مع «القومي» على أساس أنه حليف «رديف» واجبٌ عليه أن يساند العونيين في معاركهم، في حين أنّ قيادة «التيار» لا تجد نفسها معنية بتجيير أصواتها الانتخابية لمرشح «القومي» في انتخابات الكورة الفرعية مثلاً. بالأساس، وحتى قبل انتخاب الرئيس ميشال عون، «ننظر إلى التيار على أنّه صديق وحليف»، يرد قانصو. هناك عدد من «الثوابت نلتقي حولها، أهمها: العلاقة مع سوريا، دعم المقاومة، الدولة المدنية وبناء جيش قوي. لذلك، العلاقة كانت وستبقى ممتازة». وفي الملف الحكومي، «التيار ليس سلبياً معنا وهو حريص على تمثيلنا. هذا الموقف يُبنى عليه في المستقبل، سواء في الانتخابات أو غيرها من الاستحقاقات». ولكن ما لا يجمعهما هو الموقف من النائب سليمان فرنجية والتحالف مع القوات اللبنانية. يقول قانصو إنه «ممن يسعون إلى ترميم العلاقة بين عون وفرنجية، وأعتقد أنه أمر غير صعب»، ولكن «شتان ما بين القوات وفرنجية. إضافة إلى صفة الأخير التمثيلية، هو يحمل خيارات استراتيجية واضحة، لم يعدل عنها مرّة».
الشق الثاني من الحديث مع قانصو حزبي. بعدما تغنّى حلفاء «القومي» وخصومه باحترام المؤسسات فيه واستقلالية قضائه، أصدر المجلس الأعلى في نهاية أيلول قرار إقالة عضوي المحكمة نزيه غنطوس وجهاد العقل، تحت حجة «إقدامهما على اختلاق اتهامات باطلة ضد مسؤولين في قيادة الحزب وخلق وقائع غير موجودة وغير مبررة وثبوت مسؤوليتها عن أداء وسلوك يتعارض مع قواعد تأمين العدالة الاجتماعية». أدّى ذلك إلى إرسال رئيس المحكمة ميشال الحاج كتاباً إلى المجلس الأعلى يتضمن 4 نقاط توضيحية: «المحكمة الحزبية أصدرت حكمها (الذي قضى بإبطال التعديل الدستوري الذي سمح بانتخاب حردان) من دون أن ترتكب أي خطأ دستوري وقد نال تأييد رئيس الحزب والمجلس الأعلى وجرى ذلك بموجب تعميم رسمي صادر عن عمدة الداخلية؛ إصدار المحكمة قرارها خارج مركز الحزب لا يستوجب إقالة العضوين، بل يقتضي سؤالهما عن ذلك من خارج الحكم؛ المحكمة أصدرت حكمها بالإجماع. لذلك كان يتعين على المجلس الأعلى إقالة جميع أعضاء الهيئة؛ عرضت المحكمة أمام المجلس الأعلى اتهام ناصر قنديل للمحكمة على صفحات جريدة البناء (التابعة للحزب) بالخيانة والعمالة، فنجد أنفسنا بأننا خارج المسؤولية الحزبية، وقنديل باقٍ في مكانه». المجلس الأعلى لم يستجب لطلب الحاج الرجوع عن قرار إقالة العضوين، فقدّم في 9 تشرين الثاني استقالته من رئاسة المحكمة. وقد لحق به في 15 الشهر الجاري عضو المحكمة مصطفى الشيخ علي. وكأنّ «القومي» لا يريد أن يطوي هذه الصفحة قبل الاقتصاص ممّن عارض التعديل الدستوري. «للمرّة الألف، قرار المجلس ليس انتقاماً، بل اعتراض على سلوكيات معينة كالإصرار على عقد جلسة المحكمة خارج مركز الحزب». لماذا وافق المجلس الأعلى سابقاً على الحكم؟ يرد قانصو بأنّ «المجلس أراد الالتزام بمنطق المؤسسات، لكنه أشار إلى هذه النقطة. التنفيذ أمر والمحاسبة أمرٌ آخر». يبدو رئيس الحزب واثقاً من قدرته على ثني الحاج والشيخ علي عن الاستقالة.
ماذا عن التواصل مع أعضاء الحزب «الحردانين»؟ «نريد محاورة الجميع حتى في الشام». ليس هناك مبادرة عامة لاستقطاب المع ارضين كونه لا قناعة بأنّ هناك جماعات خارج الحزب، «من يتصل ويطلب لقاءً، نقول له أهلاً وسهلاً. ولكن أنا أنظّم حواراً عاماً؟ هم أصلاً ليسوا حالة واحدة». الحوار سيستثني «من شوّه سمعة الحزب واستعمل الإعلام في موضوع حزبي. فصلنا البعض وسنُرسل ملفاتهم إلى المحكمة من أجل طردهم». وقد علمت «الأخبار» أنه فُصل كلّ من ناصر الرماح ونبيلة غصن وتموز قنيزح، المنتمين إلى حركة «8 تموز» المعارضة لقيادة الحزب. لا ينحصر الاعتراض بهذه «الحركة»، بل وصل إلى داخل المجلس الأعلى، حيث يعتكف عن حضور جلساته كلّ من الرئيس السابق جبران عريجي والنائب السابق أنطون خليل، رغم أنهما شاركا في حفلة الاستقبال بمناسبة تأسيس الحزب بناءً على اتصال من قانصو. مصادرهما تؤكد أنّ أحداً لم يُبادر إلى الاتصال بهما من أجل الحوار. أما قانصو، فيرد بأن «المشكلة ليست عندنا بل عند الناس التي لا تحضر. نحن نريد محاورة الجميع من أجل أن يشاركوا». هل يعتبر مقاطعتهما رسالة سلبية لعهده؟ يسأل «ما الفائدة منها؟ هما انتُخبا ليكونا عضوَي مجلس أعلى ويقوما بواجباتهما، وإلا لما كان القوميون انتخبوهما».
يعمل الحزب القومي وفقاً لأجندة عمل تبغى «تحقيق وحدة الحزب، وتعزيز دورنا في مواجهة الإرهاب وتعزيز العلاقة مع الحلفاء». أما حزبياً، «فنحن منصرفون للعمل على رفع سويّة البناء الحزبي إدارياً وثقافياً وسياسياً». هل هناك قرارات فصل جديدة سيُصدرها المجلس الأعلى؟ يرد قانصو باسماً، «حسب المشاكل».