لبنان الذي خبر حروباً كثيرة وظروفاً سياسية متأرجحة، استطاع أن يخفض معدّل وفيات الأمهات من 104 حالات وفاة من كل 100 ألف أمرأة حامل في عام 1996 إلى 15 حالة في عام 2015 (10 نساء لبنانيات وأربع سوريات وفلسطينية).


وبهذا «الانخفاض»، بات لبنان واحداً من أصل 18 دولة أخرى تلتزم تطبيق الهدف الخامس من «أهداف الألفية الإنمائية»، والمتعلق بتحسين صحة الأمهات وخفض الوفيات بينهنّ بنسبة 75% عما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي. هذه النسبة التي لم «تزعزعها» الأزمة السورية برغم «حصول ما لا يقل عن 40 ألف ولادة بين النساء السوريات في لبنان منذ بداية الأزمة السورية إلى الآن»، بحسب ما يشير أحد كتّاب هذه الدراسة، رئيس الجمعية اللبنانية للتوليد والأمراض النسائية الدكتور فيصل القاق.

قصّة نجاح

خلال خمس عشرة سنة، وصل لبنان إلى تخفيض نسبة الوفيات بين الأمهات إلى حدود 76%. وهو ما يعدّه القاق «قصّة نجاح»، استوجب الوصول إليها سلوك درب طويل، تمكن لبنان في نهايته من امتلاك «نظام متكامل ومتين للإبلاغ عن وفيات الأمهات والرضّع»، علماً بأنّه قبل كل ذلك، لم يكن يملك لبنان «مجرّد نظام للإحصاءات الحيوية يفترض تقديم تقرير في ما يخصّ هذا الشق»، باستثناء بعض التقارير المبنية على «عينات من المستشفيات». هذا ما كان يحصل في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان لبنان يوضع في مجموعة «H» ضمن قائمة البلدان المصنّفة بـ«لا بيانات وطنية حول وفيات الأمهات». واستمرّ الوضع على ما هو عليه حتى تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي، إلى أن انتقل لبنان من الفئة «H» إلى الفئة «B» وهي «فئة البلدان التي تفتقر إلى بيانات التسجيل الجيدة ولكن التي تحتوي على أنواع أخرى من البيانات».

ولكن، بالعودة إلى الأرقام، «تحسّن» الوضع كثيراً في لبنان، يقول القاق. ففي الوقت الذي كانت فيه «267 قابلة و171 عيادة للقابلات تغطي حوالى 13% من الولادات في لبنان، إضافة إلى الولادات داخل المنازل، حيث وصل معدل وفيات الأمهات إلى 104/10000» (بحسب دراسة لوزارة الصحة أجرتها بالتعاون مع اليونيسف في عام 1997)، يبرز اليوم دور المتخصصين في رعاية النساء الحوامل، إذ «تخضع ما يقارب 95% من النساء الحوامل في لبنان لرعاية ما قبل الولادة، وتتم ولادتهن في المستشفيات اليوم تحت إشراف متخصصين، في مقابل 15 وفاة سجّلت خلال العام الماضي».
ما بين عامَي 1997 و2015، ولدت برامج كثيرة ولجان تتعلق بخفض معدل وفيات الأمهات، لعل أهمها تشكيل وزارة الصحة العامة «اللجنة الوطنية للأمومة الآمنة»، التي أقرّت وزارياً على أثر صدور تقرير عن الأمم المتحدة يفيد بأن معدلات وفيات الأمهات «غير مقبولة». ثم استحال اسمها في عام 2009 إلى «النظام الوطني للإبلاغ عن وفيات الأمهات والرضع»، والتي انطلقت رسمياً في عام 2011.

بالأرقام

في غمرة الحرب، وتحديداً في ثمانينيات القرن الماضي، كانت نسب وفيات الأمهات تراوح ما بين 128 حالة وفاة و140 من كل 100 ألف امرأة حامل، ثم تقلّص هذا الرقم بحدود عام 1996 إلى 104 حالات من كل 100 ألف ولادة، واستمر في الانخفاض إلى أن سجّل في عام 2004 حوالى 86 حالة، بحسب دراسة «papfam». وقد خبأ الرقم الأخير تبايناً بين المناطق، حيث لفت الأنظار إلى منطقة عكار التي شهدت أعلى المعدلات، ما دفع بوزارة الصحة إلى إطلاق «مبادرة وادي خالد»، والتي قضت بتقديم خدمات لحوالى 23 ألف شخص، مع التركيز على خدمات الأمومة ورعاية الأطفال.


45% هي نسبة
انخفاض وفيات الأمهات في جميع أنحاء العالم


أما ما بين عامَي 2010 وحتى الآن، فقد قدّر عدد حالات وفيات الأمهات المبلغ عنها بـ 74 حالة، بمتوسّط سنوي يعادل 12,2، على أن النسبة الأكبر سجّلت في محافظة البقاع (21 حالة)، تليها الشمال (18 حالة)، ثم جبل لبنان (13) والجنوب (12) وبيروت (10).
وبالنظر إلى توزيع هذه الحالات حسب الجنسية، تحتل الجنسية اللبنانية المرتبة الأولى بنسبة 80% مقابل 16% من الجنسية السورية و3% من الجنسية الفلسطينية.
أما بالنسبة إلى أسباب الوفاة، فتتنوع ما بين البيولوجية والثقافية (التوعية) والاجتماعية، إضافة إلى الطبية. وحول النقطة الأخيرة، يشير القاق إلى ضرورة تعزيز «نوعية المتابعة الطبية، إذ لا يكفي السؤال عن حال الحامل وإنما تقصّي الخطر إن كان موجوداً». وفي هذا الإطار، احتل نزف ما بعد الولادة قائمة الأسباب، يليها ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل وتسمم الحمل. أما بشكلٍ عام، فيلفت الكتيب إلى «تأخيرات ثلاثة» تتسبب بالوفاة، «أولها حالة النساء اللواتي يصلن إلى مرحلة الاحتضار من دون الاستفادة من الرعاية الطارئة، ومن ثم النساء اللواتي يصلن مع مضاعفات يمكن تفاديها في حال تلقيهن تدخلات فعالة في الوقت المناسب، وأخيراً النساء اللواتي يحضرن للولادة الطبيعية ويصبن في ما بعد بمضاعفات بسبب طبي أو طبيعي».

ماذا عن الغد؟

في الحديث عن الغد، تبرز النواقص، إذ يشير تقرير أعدّ العام الماضي تحت عنوان «العدّ التنازلي» إلى ضرورة الوصول إلى النساء الأكثر عرضة للوفاة، واللواتي ينتمين إلى فئة الناس الأشد فقراً، وغير الحاصلات على تعليم كافٍ. وبحسب التقرير، فإن «النساء الأوفر حظاً بالحصول على أفضل رعاية أثناء الحمل والولادة هن المتحدرات من عائلات ميسورة والمتعلمات». وهذا إن عنى شيئاً، فهو يعني ضرورة تعزيز دور النظام الصحي من وزارة الصحة العامة إلى مقدمي الخدمات وغيرهم كي نصل إلى «صفر» وفاة. ولكن، هل سيحصل هذا في ظلّ نظام صحي يفتقر إلى... نظام؟