«إن الدين العام هو كالعصا السحرية، يعطي النقد غير المنتج القدرة على الخلق ويحوّله الى رأسمال، من دون المخاطر التي يتعرض لها في الصناعة أو حتى في الربى»

كارل ماركس

في أوائل تشرين الثاني الماضي، عقد المصرف المركزي اللبناني مؤتمراً حول الريادة والتكنولوجيا. في هذا المؤتمر، كان أحد المتحدثين الرئيسيين، إن لم يكن المتحدث الرئيسي الأهم، هو ستيف وزنياك، أحد مؤسسي شركة آبل مع ستيف جوبز في سبعينيات القرن الماضي.

كنت قد كتبت في السابق (انظر http://www.al-akhbar.com/node/248336) حول المنحى التمردي لهذه المجموعة الصغيرة من الرياديين، ومن بينها مهندس ماركسي ثوري، التي كان لها الفضل في إحداث التغيير التكنولوجي الذي حصل في تلك الفترة. في بعض الأحيان، كانت طريقة عمل هذه المجموعة مغايرة لطريقة الأعمال التقليدية في الولايات المتحدة، ما وضعها مرات عديدة في مواجهة الرأسمال الكبير والتنظيم الجامد للعمل لما كان يعرف آنذاك بأميركا المؤسساتية (corporate America)، الى أن أصبح وليدها شركة آبل هي نفسها أحد صروح هذه المؤسسة.


ما فعله المصرف المركزي كان المساهمة في تبديد القدرة الإبداعية للبنانيين

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: هل يتوافق وجود وزنياك في هذا المؤتمر، مع ما يمثله من رمز للريادة والابتكار في أكبر اقتصاد رأسمالي، مع سياسات المصرف المركزي تجاه تحفيز أو دعم التطور التكنولوجي والابتكار وريادة الأعمال في لبنان؟ الجواب، الذي سيتوافق عليه الكثير من المراقبين والاقتصاديين، هو النفي القاطع، وإن لم يكن السؤال قد طرح في الكثير من الأحيان بهذا الشكل. إن وضع اسم المصرف المركزي في عنوان المؤتمر، تحت شعار "مصرف لبنان للتسارع" أو BDL accelerate، يُراد منه ربط اسم المصرف بالقطاع التكنولوجي وكأنه الطليعي في هذا المجال، بينما الواقع مغاير لذلك تماماً.
لا بد من القول أولاً، إن من سخرية القدر أن يكون المصرف المركزي هو الذي يستقبل ستيف وزنياك. لكن سيطرة الرأسمال المالي ومقدرة المصرف المركزي المالية الكبرى تجعله قادراً على أن يتلون بتلاوين عديدة؛ منها اللون الجديد الذي اختاره في أكبر عملية دعاية تهكمية (cynical) يمكن تصورها.
فالمصرف المركزي منذ 1992 كان خياره واضحاً، ألا وهو تسخير السياسة النقدية في خدمة استدانة الدولة من المصارف. فمع تراكم عجوزات الخزينة وتنامي الدين العام بدءاً من ذلك التاريخ، أصبحت هذه السياسة بحاجة الى معدلات فوائد مرتفعة وتدفق مستمر للأموال من الخارج للاستثمار بسندات الخزينة وودائع المصارف والعقار، وبالتالي الى عملة مستقرة وتضخم منخفض من أجل الحفاظ على العوائد الحقيقية لرأس المال المالي المغذي لخزينة الدولة العاجزة دوماً. فوصلت هذه العوائد الى معدلات خيالية في التسعينيات، كما الى معدلات عالية جداً بعد ذلك، ما حقق لرأس المال المالي هذا تراكماً لم يكن يحلم به في أي قطاع آخر، لا في لبنان ولا في خارجه. وكان لهذه السياسة ما يمكن تسميته عوارض سلبية من تأثر الاستثمار الحقيقي سلباً بارتفاع الفوائد، هذا فضلاً عن خسارة لبنان قدرته التنافسية، ما أدى الى تراجع القطاعات الإنتاجية وارتفاع حصة قطاعات الخدمات المتدنية الإنتاجية. بالإضافة الى ذلك، كان لهذه السياسة آثار توزيعية متمثلة بزيادة حصة الأرباح والريع والفوائد من الناتج وانخفاض حصة الأجور التي جمدت لفترات طويلة عن قصد للحفاظ على ثبات سعر الصرف والتضخم المنخفض حفاظاً في نهاية الأمر على عوائد الرأسمال المالي كما ذكرت سابقاً. وزاد أيضاً، على أثر ذلك، رأس مال المصارف مئة مرة منذ 1992 ووصل سوء توزيع الثروة الى أعلى المعدلات في العالم. كما كان لهذه السياسة الأثر على إحداث ركود اقتصادي في 1998 امتدت آثاره حتى حصول مؤتمر باريس 2 في 2002، ما أنهى النمو الاقتصادي شبه ــ المرتفع بين 1993 و1997، وأقول شبه المرتفع لأنه بالمقارنة مع نمو الدول بعد انتهاء الحروب، كان النمو في لبنان في فترة إعادة الإعمار هذه متواضعاً. وكان لهذا النمو الضعيف المترافق مع فوائد مرتفعة أثر أيضاً على تركز الثروة بأيدي الرأسمالين الماليين بسبب ارتفاع قيمة الرأسمال الى الناتج المحلي.
إذاً، إن المصرف المركزي لم يعر الوضع الاقتصادي الحقيقي، أي الناتج المحلي ونموه والقطاعات الصناعية والزراعية في سياساته الاقتصادية الكلية أي أهمية ما، وذلك خدمة للرأسمال الريعي والمصارف وخدمة لـ"حاجة" دولة نظام الطائف التحاصصية إلى الاستدانة، وهذه الأخيرة ناتجة من عدم فرض الضرائب على الثروات والأرباح وعوائد رأس المال، وبالتالي ساهم المصرف المركزي مساهمة أساسية في تضييع فرصة تحويل مرحلة إعادة الإعمار الى مرحلة بناء اقتصاد ديناميكي منتج متطور تكنولوجياً يحفز فعلاً، لا قولاً، الريادة والابتكار ويستعمل القدرة العلمية الكامنة للمتعلمين اللبنانيين.
الآن، بعد كل هذا الحطام الرأسمالي الذي يعيش في خضمه اللبنانيون، يأتي المصرف المركزي ليعلن أنه "بطل شومبيتيري" يريد إطلاق الابتكار والريادة في لبنان! ويحاول عبر التعميم 331، وغيرها من الإجراءات البسيطة لتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أن يعكس ما فعلت سياساته الماكرو ــ اقتصادية التي أسلفناها. إن المصرف المركزي يحاول فعلياً أن يغطي على سياساته "الصناعية" المتمثلة بدعم "الصناعة المصرفية" و"صناعة التطوير العقاري"؛ أولاً، عبر سياسة الاستدانة وبدعة شهادات الإيداع بفوائد مرتفعة والدعم المباشر، كما حصل في آخر عملية مالية أتخمت المصارف بالأرباح (انظر http://www.al-akhbar.com/node/268799). وثانياً، عبر "سياسة إسكان" مالية لا تهدف الى إسكان اللبنانيين (لأنه لا حل مالياً لهذا الأمر) بل الى تعويم أرباح المطورين العقاريين وملاك الأراضي والأبنية والحفاظ على الأسعار المرتفعة عبر خلق الطلب على العقار.
أخيراً، إن أي مصرف مركزي مهتم بالتطور الاقتصادي لا يعقد مؤتمراً استعراضياً، بل ينكب على دراسة الاقتصاد ووقع سياساته وما يمكن أن يكون لديه من سياسات. إن نظرة سريعة الى إنتاج الدراسات والأبحاث في المصرف تبين لنا ماذا حدث لدائرة البحث والإحصاء من تدمير منهجي في المصرف المركزي، إذ إنها أصدرت فقط في 2011 بحثين وفي 2013 بحثاً واحداً! وهذا يُؤخذ على مصرف مركزي يدّعي الجبروت الاقتصادي ويملك قدرات مالية هائلة.
إن أتى وزنياك الى لبنان أو لم يأت، ليس هذا هو الأمر، إذ إن مجيئه لن يغير في أن ما فعله المصرف المركزي كان المساهمة في تبديد القدرة الإبداعية للبنانيين وهجرة الشباب المتعلم وتدمير أحلام "اقتصاد المعرفة" وضرب القدرة التصديرية للاقتصاد اللبناني وجعل لبنان مدمناً على تدفق رؤوس الأموال الخارجية وضمور القطاعات الإنتاجية؛ والأهم من كل ذلك، دعم المداخيل غير المرتبطة بالعمل بل بالخمول الريعي، ما راكم الثروة بأيدي الريعيين ألد أعداء التكنولوجيا والابتكار والتقدم.