بعد الجلسة الأخيرة منذ يومين، كان من المُفترض بقاضي التحقيق في بيروت، جورج رزق، أن يختم التحقيق في الدعوى الرقم 777/2015 المُقامة ضدّ مستشفيات "المعونات" و"أوتيل ديو" و"الجامعة الأميركيّة" وأطبائها، بجناية وجنحة الإيذاء وبتر أطراف الطفلة إيللا طنوس، وأن يحيل الملف إلى النيابة العامّة لإبداء الرأي، قبل أن يصدر قراره الظنيّ، وبدء المحاكمة، إلّا أنه ارتأى تأجيلها إلى 11/1/2017 لمواجهة المستشفيات والأطباء باللجنة الطبيّة التي ترأسها نقيب الأطباء السابق شرف بوشرف ومناقشة التقرير الصادر عنها، وذلك بناءً على طلب المستشفيات المدّعى عليها.

يبدو أن سياسة تبادل الأدوار تفعل فعلها بين المستشفيات الثلاثة، وتحت غطاء القضاء الذي يمدّها بمهل "قانونيّة" للإمعان في المُماطلة بملف يرواح مكانه منذ نحو سنة ونصف سنة.

من الواضح أن المستشفيات تتقاذف المسؤوليّات تارة، ثمّ تعمد إلى تأمين غطاء لبعضها البعض تارة أخرى، الأمر الذي دفع الجهة المدّعية، خلال جلسة الأربعاء الماضي، إلى طلب توقيف كلّ الأطباء، والمطالبة بتعويضات ماليّة نتيجة التأخير والمُماطلة المتكرّرة، وإحالة الملف إلى النيابة العامّة لإبداء الرأي وإصدار القرار الظنيّ، لكن من دون نتيجة.
في الجلسة الأولى التي خصّصت للتحقيق مع المدّعى عليهم في 23/11/2016، حضر ممثلو كلّ المستشفيات وأطباؤها باستثناء طبيبة الجامعة الأميركيّة رنا شرارة بداعي السفر. وعلى مدار خمس ساعات استغرقتها الجلسة، أعاد المدّعى عليهم تكرار ما سبق أن أدلوا به في الاستجواب وفي الدفوع الشكليّة التي قدّموها، كما حاول كلّ مستشفى رمي المسؤوليّة على طبيبه المُعالج أو على المستشفيات الأخرى.
حصر مستشفى "المعونات" علاقته بالقضية ضمن فترة زمنيّة لا تتجاوز 35 ساعة أمضتها الطفلة لديه، وركّز على النتيجة (بتر الأطراف في مستشفى آخر) متغاضياً عن السبب الذي أدّى إلى ذلك (الإهمال والأخطاء الطبيّة الحاصلة لديه)، وعمد إلى رمي مسؤوليّة ما حصل داخله على الطبيب عصام معلوف، باعتباره ليس موظّفاً في المستشفى لكي تجري ملاحقة الأخير على أفعال الطبيب. واقتصرت ردوده على أسئلة التحقيق بعبارة "لست مطّلعاً على الموضوع"، وخصوصاً في ما يتعلّق بأسباب تأخير فحص الدم، وعدم متابعة حالة الطفلة من طبيبة الطوارئ.
كذلك فعل "أوتيل ديو" مشيراً إلى أن كلّ ما له علاقة بالطفلة، التي وصلت إليه وهي تلعب على حدّ تعبيره، يتحمّله الطبيب كارلوس أكاتشاريان (المناوب لديه)، قبل أن يناقض نفسه بالإشارة إلى أن الجسم التمريضي أعطاها دواءً لخفض الحرارة. بينما أشار أكاتشاريان عند التحقيق معه إلى أن التشخيص الذي قدّمه له معلوف عبر الهاتف تمحور حول "قصور في الكلى" فقط، وتأكيد على أن "الطفلة بحال جيّدة"، وهذا يثبت الخطأ في التشخيص الذي ارتكبه معلوف، من دون أن يلحظ أكاتشاريان عوارض "الصدمة الإنتانيّة" خلال فترة مكوث الطفلة في غرفة الطوارئ، الأمر الذي قلّص فرص نجاتها نظراً إلى عدم معالجتها.


تطالب الجهة المدّعية بتوقيف الأطباء وبتعويضات ماليّة وبإصدار القرار الظنيّ


فيما أشارت "الجامعة الأميركيّة" إلى أنه لا علاقة لها بمسبّبات الحالة التي وصلت إليها الطفلة، مشيرة إلى أنها قامت بما استطاعت حفاظاً على حياتها، وأنها سبق أن أعلمت طبيبها (عصام معلوف) بعدم وجود أماكن فارغة لديها في العناية الفائقة، وهو ما يدحض ادعاءاته أنه حجز لها غرفة في "الجامعة الأميركيّة" قبل أن يتخذ قرار نقلها من "المعونات". واستند المستشفى إلى تقرير علميّ يحلّل علاج الطفلة إيللا، حصل عليه من الولايات المتحدة الأميركيّة، تشير خلاصته إلى أن العلاج الذي حصلت عليه الطفلة في "الجامعة الأميركيّة" صحيح، بعكس ما يشير إليه تقرير لجنة بوشرف الطبيّة التي عيّنها القضاء اللبناني.
في جلسة التحقيق الثانية في 30/11/2016، حضر الجميع وغاب مستشفى المعونات في مخالفة لقوانين التحقيق الجزائيّة، ما دفع الجهة المدّعية إلى طلب اتخاذ الإجراءات القانونيّة بحقّهم. خلال التحقيق مع شرارة التي تعذّر التحقيق معها في الجلسة الأولى، أشارت إلى أنها أنقذت حياة إيللا، وأنها "فخورة بذلك"، مشيرة إلى أن الطفلة وصلت إلى المستشفى تعاني من تخثّر في الدم وصدمة إنتانيّة مرّ عليها أكثر من يوم. فيما طالبت "الجامعة الأميركيّة" بمواجهة مع اللجنة الطبيّة التي ترأسها بوشرف (تقرير هذه اللجنة خفّف المسؤولية عن "المعونات" و"أوتيل ديو" وحمّلها لـ"الجامعة الأميركيّة"، ما دفع البروفسور أمين قزي الى الانفصال عنها وإصدار تقرير مستقل يبيّن مسؤوليّة المستشفيين الأولين).
تبادل المسؤوليات، والمُطالبة بمواجهة إحدى اللجان الطبيّة، التي سبق أن واجهت وقابلت المدّعى عليهم، مرّات عدّة، قبل إصدار تقريرها، يفتح الباب أمام مواجهات مع اللجان الأخرى، كون القضاء استند إلى 3 تقارير في قضية إيللا وهي: تقرير وزارة الصحة، تقرير بوشرف وتقرير قزي، الأمر الذي يزيد مخاوف أهل إيللا من إمكان ممارسة ضغوط لتغيير أقوال اللجنة، ووجود اتفاق ضمني بين المدّعى عليهم للمُمالطة، عبر إعادة الملف إلى مراحله الأولى، وفتح تحقيق جديد، وتالياً إطالة أمد النزاع وبدء المحاكمة.