في أيار 2014، أقرّ مجلس النواب قانون «حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري». بعد أسبوعين من هذا التاريخ، صدرت أولى القرارات القضائية، التي قضت بحماية امرأة من «العنف الجسدي والمعنوي» وطفلتها أيضاً، التي كانت تبلغ من العمر حينذاك ثمانية أشهر.


هذا القرار استند إلى قانون الحماية «293»، وجاء ليفضح الثغَر والشوائب التي اعترت هذا الأخير. ففي حيثيات القرار الذي صدر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، القاضي جاد المعلوف، برز واضحاً تخطّي الأخير للتطبيق الحرفي للقانون وعمله على تطويره وإعطائه معنى، متكئاً على صلاحيات تمكنه من «الاجتهاد» ضمن الهامش الذي يسمح به القانون. هكذا، مثلاً، مارس المعلوف دوراً، أقل ما يمكن القول عنه إنه ريادي، عندما «استكمل» أحكام القانون وصحح بعض شوائبه، ولا سيّما في ما يتعلق بـ«تعريف العنف»، إذ يرد في المادة الثانية أن «العنف الأسري بأي فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بهما يرتكب من أحد أعضاء الأسرة ضد فرد أو أكثر (..) ويترتب عنه قتل أو إيذاء جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي». وهو ما لم يتخطّاه المعلوف في قراره، عندما اعتبر أنّ «(...) العنف لا يقتصر فقط على التعرض الجسدي، ذلك أنه تبين من المعطيات المتوافرة في الحالة الراهنة أن المستدعية تعرضت كذلك لأنواع مختلفة من العنف لا تقل خطورة عن العنف الجسدي، وذلك عبر إقدام زوجها على تعنيفها كلامياً وإطلاق الشتائم بوجهها وتحقيرها، كذلك عبر إقدامه على منعها من الخروج من المنزل الزوجي إلا لبضع ساعات في الشهر». وهذه الاستفاضة تستند، في الأصل، الى حساسية القاضي الإنسانية واستغلاله لهامش الحرية المعطى له، ولا تستند فقط إلى نصوص قانونٍ تبيّن في نهاية المطاف أنه مبتور. وهو ما لا يمكن «الاتكال عليه»، كما يُقال، وخصوصاً أنّ لكل قاضٍ نظرة مختلفة في تقديره لهذه القرارات.
مع ذلك، كان قرار المعلوف فاتحة القرارات الحمائية التي دلّت على أن ثمة مشكلة ما في قانون الـ«293»، والتي أعادت إلى الواجهة ضرورة العمل لتعديله.


تمسّ التعديلات المطلوبة على مواد القانون 293 الجوهر وليست مجرد تفصيل
وفي هذا الإطار، قامت منظمة «كفى عنف واستغلال»، أخيراً بـ«جردة حساب» للقانون بعد سنتين على تطبيقه، استناداً إلى قرارات الحماية الصادرة، التي دلت على هذه الثغر مع بدء التنفيذ.
في الجردة، التي صدرت أخيراً في كتاب، تبيّن أن قرارات الحماية تنفّذ بشكلٍ مجتزأ، إذ إنها في غالبيتها «تحمي المرأة جسدياً، ولكن في الأمور المادية لا يجري التطبيق في الغالب، ومنها مثلاً النفقة، أو في موضوع حماية الأطفال القاصرين»، تقول المحامية ليلى عواضة. هذه الثغر الجوهرية دفعت بالمنظمة إلى إقامة نقاشات مع مجموعة من قضاة التحقيق والعجلة والقضاة المنفردين الجزائيين، التي خرجت بعدها بإعداد ورقة تتضمن جملة من «التعديلات المفترضة» على القانون، ولعلّ أهمّها ثلاثة «أولاً، في تعريف العنف الذي جاء محصوراً في مادته الثانية بمعنى أنه لم يشمل أنواعاً من العنف على شاكلة المعنوي. وثانيها، تخصيص الحماية للنساء، إذ عندما يكون التمييز موجوداً، يفترض أن يكون هناك قانون يخصص النساء لحين ما يصير في شي اسمه قوانين شاملة، أما التعديل الثالث فيتعلق بتخصيص محكمة للنظر في قضايا النساء، على أن تكون المحكمة الأسرية».
غير أنّ قائمة التعديلات التي كانت قد طالبت بها كفى قبل صدور القرار، لا تتوقف عند هذه النقاط الثلاث، فثمة تعديلات كثيرة يحتاج إليها هذا القانون لكي لا يبقى اسمه قانوناً مبتوراً. ففي ما يخص مثلاً سن الحضانة، وخصوصاً إذا ما كانت المرأة قد تعرضت للعنف مع طفلها، فكيف يتم التصرف في مثل هذه الحالة لحماية هذا الطفل؟ تشير المادة 12 من القانون إلى كون «أمر الحماية يهدف إلى حماية الضحية وأطفالها (…) وهنا الأطفال المشمولون حكماً بأمر الحماية أولئك الذين هم في سنّ الحضانة القانونية وفق أحكام قوانين الأحوال الشخصية وسائر القوانين المعمول بها». وهنا، تقترح الجمعية إضافة التعديل المتعلق بأنه «يعود للقاضي الناظر بطلب الحماية تقدير وضع القاصر المطلوب حمايته لتقرير حاجته إلى الحماية أو عدمها». هذه الإضافة، فيما لو تمت، ستعفي الأطفال المعرضين للخطر من الخضوع لقرار المحاكم الطائفية الجائرة. أما في ما يخص المادة 17، مثلاً، والتي تتعلق «بحق الضحية وسائر المستفيدين من أمر الحماية (…) أن يطلب إلى المرجع الذي أصدر الأمر أو من المحكمة الناظرة بالدعوى إلغاءه أو (...)». هنا، يجوز السؤال مثلاً عمن هي المحكمة الناظرة؟ وهنا أيضاً، يكمن جوهر التعديل المطلوب على المادة بحيث يصبح للمحكمة الناظرة صفة أي «المحكمة الجزائية»، كي لا يفسح في المجال أيضاً لإعطاء المحاكم الطائفية اختصاصاً في تعديل أمر الحماية أو حتى في العودة عنه.
هذه عينة من «الإصلاحات» المطلوبة، وهي، أصلاً، لا تتوقف هنا، فثمة مواد كثيرة بحاجة إلى التعديل، بينت كفى جزءاً منها في «الجردة»، والذي ضمنته 14 تعديلاً «تمسّ الجوهر وليست مجرّد تفصيل»، على ما تقول عواضة. ولكن، من سيصلح؟ هذا هو السؤال الصعب، فمن سيصلح انتظر قتل عشرات النساء كي يقرّ الـ«293» المعطوب أصلاً. فهل ينتظر عشرات أخريات كي يقرّ التعديلات، أو على الأقل جزءاً منها؟