أظهرت إحدى الدراسات، التي أجرتها معاهد بحثية في مدينة لوزان السويسرية بالتعاون مع نظيراتها في الصين، نجاحاً باهراً في علاج الشلل النصفي عند القرود، المستخدمة في الاختبار، بعد سنوات من التجارب السابقة على الفئران والقوارض.


وهذا ما يشير إلى إمكانية الاستفادة من هذه التجربة وتطويرها لتطبيقها مستقبلاً على مرضى الشلل لتمكينهم من استعادة السيطرة على الأطراف، لأن بنية القرود الجسدية أقرب إلى الإنسان. وقد استعان فريق الأبحاث السويسري بفريق آخر صيني، نظراً لعدم سماح القوانين الأوروبية بتطبيق هذا النوع من الاختبارات على الحيوانات قبل التأكد من محددات عدة. قام الفريق الصيني بالاختبارات التطبيقية مستكملاً الأبحاث النظرية والتكنولوجيا التي عمل على تطويرها الفريق السويسري. تكمن الإشكالية الأخلاقية والقانونية غير المتاح تخطيها أوروبياً في أن الاختبار يتضمن قطع أعصاب في النخاع الشوكي عمداً عند قردين حيين لشل الأرجل ومن ثم اختبار العلاجات الجديدة بعد أسبوعين من إصابتهما بالشلل. كانت النتيجة أن كلا القردين تعافى على نحو شبه كامل، واستطاع أحدهما استعادة حركيته بعد 6 أيام من تطبيق التقنية الجديدة. وفيما تحاول فرق بحثية عدة العمل على تحفيز الخلايا العصبية التالفة أو إنتاج خلايا عصبية جديدة، وجدت فرق بحثية أخرى أن من الأجدى العمل على وسائل وتقنيات أخرى للالتفاف على العصب التالف بدلاً من إهدار الطاقات والوقت على طرق أصعب وأبعد تحقيقاً.

التقنية الالكترونية - الطبية

تقوم فكرة الاختراع على تجاوز منطقة التلف العصبي التي تعيق نقل الرسالة الكهربائية من الدماغ إلى الأطراف أو العكس، وذلك عبر نقلها مباشرة من الدماغ إلى النخاع الشوكي في الجزء السليم منه بعد مكان الإصابة. يجري ذلك عبر زرع شريحتين، واحدة في الدماغ حيث تصدر الأوامر الكهربائية إلى الأطراف، والأخرى في النخاع الشوكي على الجهة الأخرى من الإصابة.


يجري ذلك عبر زرع شريحتين
واحدة في الدماغ والأخرى في النخاع الشوكي
تقوم الشريحة الأولى بتجميع الومضات الكهربائية الصادرة عن الدماغ، وتحوّلها إلى موجات كهرومغنطيسية لاسلكية ترسلها إلى جهاز كومبيوتر عبر موجات wifi، الذي يستقبل الإشارة ويعالجها ويعيد إرسالها إلى الشريحة الثانية المزروعة في النخاع الشوكي، فتقوم بتفكيك الموجات وتحويلها إلى إشارات كهربائية تسري في الأعصاب وتوصل الأوامر إلى الأطراف. بذلك تتخطى الرسائل التي تحمل أوامر الدماغ مكان الإصابة بما يشبه الالتفاف حولها أو تجاوزها، ولذلك كانت تسمى هذه التقنية المجازة العصبية. تعتمد وسائل تجاوز المكان التالف في مجالات طبية عدة أهمها في جراحة شرايين القلب، حيث يجري تركيب شرايين بديلة لتوصيل الدم متخطين الشرايين المسدودة، لكن تطبيقها على الأعصاب التالفة أمر أشد تعقيداً، اذ يجب التمكن من تحديد وحصر الإشارة الكهربائية الصادرة والتقاطها وإرسالها بوسائل لاسلكية إلى الجهة الأخرى، التي تعيد تفكيك وتفسير وتحويل الموجات الواصلة إليها، وهو بحد ذاته إنجاز كبير في تكنولوجيا الاتصالات وفي تطبيقاته الطبية. كل هذا العمل التقني المعقد يجب أن يجري في شرائح متناهية الصغر لا تتخطى المليمترات كي تسهل زراعتها سواء في الدماغ أو في النخاع الشوكي من دون تأثيرات جانبية مؤذية.

أهمية الاكتشاف الجديد

لم يأت هذا الاكتشاف من العدم، بل هو يمثّل قفزة نوعية في مسار كان قد بدأ تطويره سابقاً، حيث جرى قبل ذلك العمل على زرع شرائح في الدماغ لاستخراج الأوامر الكهربائية وتوصيلها مباشرة إلى أعضاء معينة مثل عضلات اليدين أو الرجلين، ونجحت العديد منها في تحريك الأطراف بطريقة مشابهة في الحيوانات، وحتى في بعض الاختبارات البشرية، إلا أن أهمية الاكتشاف الجديد أنه يقوم بتوصيل الرسائل الصادرة من الدماغ إلى النخاع الشوكي نفسه لا إلى العضو مباشرة، وهو ما يؤدي إلى تفعيل التواصل مع كل الأعضاء والأطراف المرتبطة بالنخاع الشوكي دفعة واحدة، وهو ما يعني عملياً حلاً جذرياً للشلل لا مجرد تفعيل لأحد الأطراف. ومن أهم النجاحات السابقة العملية التي كانت قد أجريت لمواطن أميركي العام الماضي كان قد أصيب بالشلل الرباعي بعد إصابته بكسر في رقبته في حادث قبل ستة أعوام، وجرت زراعة شريحة الكترونية في دماغه تتولى توصيل الأوامر من خلال كومبيوتر خارجي ومجسات موصولة إلى عضلات اليد مباشرة من خلال كف الكترونية تُلبس حول اليد من الخارج وتحتوي على أكثر من 100 رأس كهربائي موصولة إلى العضلات. وبعد أيام قليلة من التجارب وبضعة أشهر من التمرين، تمكن من السيطرة على حركة عضلات يده، وأصبح بإمكانه القيام بالعديد من الأعمال الخفيفة الأساسية بيديه مثل شرب الماء وحمل الهاتف وتذويب السكر واستعمال بطاقة الائتمان.

متى يتحقق الحلم؟

لا يجوز اعتبار هذا الخرق النوعي والثوري علاجاً كاملاً للشلل، بل هو تمكين للشخص المصاب من تجاوز تداعياته. إذ إن هذه التقنيات لا تحل تماماً مكان الأعصاب المقطوعة، وخاصة أن التواصل العصبي يجري في اتجاهين: من الدماغ والنخاع الشوكي إلى الأطراف، وبالعكس. هذه الشرائح سوف تنقل أوامر الدماغ إلى الأطراف، لكنها لن تستطيع، على الأقل بداية، أن تنقل الإشارات المعاكسة مثل حاسة اللمس أو الألم أو غيرها وبثها بالشكل الصحيح إلى الدماغ، وبالتالي لن يكون العلاج شاملاً وكاملاً إلا أنه سيتيح المشي والحركة ضمن هوامش لم تكن متخيلة سابقاً لهذا النوع من الإصابات.
يبقى التفاؤل سيد الموقف، والطريق الطويل بدأ جدياً ومع إتقان هذه الاكتشافات الهندسية الطبية، وخلال عام واحد تمكنت الفرق البحثية منذ أسابيع من توصيل الأوامر الدماغية مباشرة إلى النخاع الشوكي، ما يبشر بقرب إمكانية تحويل حلم علاج الشلل إلى حقيقة. فبعد نجاح التجربة على هذين القردين، يحتاج العلماء اليوم إلى التوسع في تطبيقها على أعداد كبيرة من الحيوانات للتأكد من نجاحها، ومن مضاعفاتها وانعكاستها الجانبية. وبعد معالجة بعض الفجوات التي قد تظهر، يمكن البدء باختبارات أولية على عدد من الأشخاص المتطوعين للحصول على تراخيص الهيئات المعنية والتوسع فيما بعد على نحو يتيح الاستفادة للمرضى حول العالم، وخاصة أن الجسم البشري وحاجاته الحركية تعد أعقد من تلك التي أجريت على القرود. وقد تستغرق كل مرحلة من هذه المراحل بضع سنوات، ما يعني أن هذا المسار العلاجي بحال توافر كل عناصر نجاحه قد يرى النور في مدى منظور يصل إلى حوالى 10 سنوات، وهو ما يمثل بشرى سارة قد تغير على نحو هائل حياة الملايين من المستفيدين المحتملين حول العالم.