في كلّ البلدان الديموقراطية، لا يُعدّ السؤال عن ملف الانتخابات قبل ستة أشهر من موعدها مُستغرباً. لبنان هو الاستثناء، حيث تتذرع الأحزاب والتيارات السياسية بعوامل عديدة لتبرير تأخرها عن تناول الانتخابات النيابية، علماً بأنّ بعض هذه الأحزاب بدأ العمل على تحريك ماكينته الانتخابية وإجراء استطلاعات للرأي.


قضاء زحلة مثالٌ على ذلك. تكتسب الانتخابات النيابية في هذا القضاء أبعاداً مُهمة، كونه «جسر العبور» (كما وصفه سابقاً الخبير الانتخابي عبدو سعد) إلى الحصول على الأكثرية في المجلس النيابي. وبقدار ما هو مُهمّ، يُعدّ من الأقضية الأكثر تعقيداً فيختصر المشهد اللبناني بكل تناقضاته السياسية والعائلية والطائفية.
لدى سؤالهم عن انتخابات الـ2017، يُسارع ممثلو القوى السياسية إلى الإجابة «من هلّق؟»، رابطين البحث بهذا الأمر بنتائج التشكيلة الحكومية والقانون الانتخابي الذي سيُعتمد. هاجس الأحزاب الأساسي أن تكون زحلة فعلاً «مقبرة للأحزاب». أقله هذا ما أظهرته نتائج الانتخابات البلدية في عاصمة القضاء، حيث لم تستطع لائحة تضم كل الأحزاب برئاسة شخصية مثل أسعد زغيب من الحصول على أكثر من 10587 كمعدل للأصوات (وحلّ مرشحو القوات في المراتب الخمس الأخيرة)، مقابل 7955 للكتلة الشعبية و6017 للائحة فتوش. تستطيع الأحزاب أن تُكابر، إعلامياً، لكن التقويمات الحزبية التي أجرتها بعد أيار الماضي كانت نتائجها سلبية.
استطلاعات الرأي بدأت في زحلة، وافتتحتها القوات اللبنانية. وحالياً يجري العمل على استطلاع لمصلحة التيار الوطني الحر. اللافت أنّ الحليفين الجديدين يعملان على قاعدة أنّ القانون المعتمد سيكون الستين. وتقول مصادر محايدة في زحلة إنّ «العمل المشترك بين التيار والقوات بدأ على قاعدة أنّ (رئيسة الكتلة الشعبية) ميريام سكاف لن تكون متحالفة معهما. هناك قلق قواتي من سكاف التي لن يتركها تيار المستقبل لأنه يريد الحفاظ على التنوع في القضاء».
تضحك مصادر قواتية في زحلة تُتابع الملف الانتخابي وهي تؤكد «نحن فعلاً لا نريد إلغاء أحد». تعود إلى فترة «البلدية» يوم «كنا من كلّ قلبنا نريد أن تكون سكاف معنا، قبل أن نكتشف أنها تفتقر إلى الخبرة، والتعامل معها صعب». انطلاقاً من هنا، يبدو من المستبعد أن ينشأ تحالف بين القوات والكتلة الشعبية، «التجربة لا تُشجع». القوات مرتاحة إلى العلاقة مع التيار العوني وتيار المستقبل، فلا تتوقع المصادر أن «يتخلّى المستقبل عن تحالف وطني مع القوات من أجل تحالف على نطاق ضيّق في زحلة مع سكاف». تقنياً، «الشغل ماشي. نحن ننظم ورش عمل تحضيراً للانتخابات، لكن بحث التحالفات مؤجل».


في ظل عدم
وجود فريق قادر
على حسم المعركة، سيتم تشكيل ائتلاف يضم كل الأحزاب والشخصيات المستقلة



ورقة النيات بين «التيار» والقوات لا تريح القوى المسيحية الأخرى. الحلقة الأضعف المتضررة من هذا التفاهم تبدو القوى غير الحزبية. هناك أولاً الكتلة الشعبية المشغولة حالياً «بإعادة تنظيم وتأهيل الماكينة الانتخابية». «اتكالنا هو على الناس وعلى تاريخنا المشرف»، تقول مصادرها، إضافة إلى نتائج الانتخابات البلدية «التي أثبتت أنّنا قدّ الكل». تستعدّ الكتلة لمعركة انتخابية «نُفضلها أن تتم حسب النظام النسبي لأنه يؤمن التمثيل الأفضل للجميع». التحالفات لم تظهر بعد، «ولكن نحن على علاقة جيدة مع كل الأطراف». هناك إيجابية في الحديث عن حزب الكتائب، الذي تفصل المصادر بينه وبين النائب إيلي ماروني «فكيف نتحالف مع نائب لم يُقدم شيئاً لزحلة ومدد لنفسه٬ هذا ضدّ قناعاتنا». ولكن لا يبدو أنّه سيكون للكتلة الشعبية ما تريد، فبحسب مصادر كتائبية مركزية، «المرشح حتى الساعة هو ماروني»، علماً بأن المكتب السياسي الكتائبي هو الذي يبتّ هذا الموضوع بعد أن تُقدم إليه طلبات الراغبين بالترشح. بالنسبة إلى تيار المستقبل، السند الأول للكتلة الشعبية، «نظن أنه في البداية يريد تشكيل الحكومة وبعدها يبحث في تحالفاته». أما مع الشريك في الملعب «الكاثوليكي» النائب نقولا فتوش، «فليس هناك علاقة لأننا ضدّ كل من يضرّ بالبيئة ويستعمل الأساليب غير الشرعية».
على العكس من أطراف عدّة، لا تعتبر مصادر فتوش أنّ «زحلة صعبة». هذا الفريق مرتاح إلى نتائج «البلدية» التي أظهرت «أننا نملك التمثيل المسيحي الأكبر، في حين أنّ سكاف نالت نسبة كبيرة من أصوات الطوائف الأخرى». هذه المرّة عوامل عدّة ستختلف، أهمها أن «أصوات حزب الله ــ حركة أمل ستكون بلوك واحد». يرى آل فتوش أنفسهم «في تحالف قائم مع الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري وحزب الله وسوريا». على هذا الأساس، ستكون لائحة تضم هذه المكونات «وتنال فيها القوات اللبنانية مقعداً». تتحدث المصادر عن الانتخابات رغم وجود اقتناع بأنّها «ستتأجل لمدة سنة وقانون الستين لن يمر وإلا يكون فريق 8 آذار قد أعدم نفسه».
السؤال الأساسي الذي يُطرح في زحلة اليوم هو عن موقع تيار المستقبل بعد التسوية الرئاسية. فهل يسعى إلى لائحة ائتلافية تُجنبه معركة صعبة أم يختار مواجهة التفاهم العوني ــ القواتي؟ الخيار «لم يُحسم بعد بانتظار الحكومة والقانون»، بحسب عضو كتلة المستقبل النائب عاصم عراجي الذي لا يخفي أنّ «انتخابات الـ 2017 ستكون صعبة». عدّة عوامل تتقاطع «كدور العائلات والتوزيع الطائفي. وحالياً هناك التحالفات الجديدة في الرئاسة التي من الممكن أن تنعكس على التحالفات الانتخابية».
خيار اللائحة الائتلافية يُعبر عنه بوضوح النائب السابق عن التيار الوطني الحر سليم عون، «في ظل هذا التنوع وعدم وجود فريق قادر على حسم المعركة، أعتقد أنه سيتم تشكيل ائتلاف يضم كل الأحزاب والشخصيات المستقلة التي أثبتت وجودها. وقد لمسنا هذه النية من خلال الاتصالات مع المستقبل والقوات وحزب الله. أما من يرفض المشاركة، فهذا شأنه». يعي عون أن هناك صعوبة لاعتماد هذا الخيار، بسبب وجود «عقبة الكتلة الشعبية وفتوش، عقبة القوات وحزب الله، عقبة القوات وسكاف، عقبة القوات وفتوش». ولكنه يعتقد أن هذه العقبات تُذلل بوجود تحالف عريض يضمن مقعداً لكل طرف «ويمنع إلغاء أحد». ينطلق عون من قراءة الانتخابات البلدية ليُكوّن «صورة واضحة عن النيابية التي سيُضاف إليها ارتفاع تأثير أصوات السنة والشيعة والأرمن». يُقارب التيار العوني الانتخابات بحذر «كي لا نُرسخ الستين كأمر واقع ونقتل أي أمل بالتغيير. الضمانة الوحيدة للتمثيل الصحيح هي في إقرار قانون جديد وليس بالاتفاقات التي تُظلم بسببها أطراف معينة. النسبية تُحرر كل القوى».
على الرغم من أنّ عون لدى حديثه عن اللائحة التوافقية لا يأتي على ذكر حزب الكتائب، إلا أنّ النائب إيلي ماروني يبدو واقعياً وهو يقول «في زحلة ما بتزبط إلا ائتلافية». الماكينة الانتخابية الكتائبية بدأت عملها وسيتم افتتاحها بعد رأس السنة. أما سياسياً، «فلا أعتقد أنّ التحالفات في زحلة ستتبدل. أضيف عامل جديد هذه المرة (التحالف بين القوات والتيار) وهناك مكان للجميع، أحزاباً ومستقلين».