نُسج الكثير من الروايات حول توقيف تاجر الهواتف الخلوية الشهير كامل أمهز. رجل الأعمال الذي يرفع شعار «الإيد الفاضية مجوية» في معظم زياراته لمسؤولين رسميين وغير رسميين، ليس سهلاً أن يمرّ توقيفه مرور الكرام في بلد تُقرن فيه كل سَكَنة وحركة بالسياسة.


ثمة من ربط توقيفه بعدم رضى حزب الله عنه تارة، أو بـ «شائعة» علاقته بالاستخبارات الإماراتية التي تغضّ الطرف عن «تهريباته» تارة أخرى، وليس أخيراً ما حُكي عن اجتماعه بالاستخبارات الأميركية في كندا للقول إنّ توقيفه «فركة أُذن» على خلفية هذا الاجتماع. وطبعاً، تتناقض هذه الروايات مع واقع أن فرع المعلومات هو الذي أوقفه، إذ إن الفرع ليس على وئام مع حزب الله، فيما تربطه صلة جيدة بالاستخبارات الإماراتية والأميركية. لكن تاجراً بحجم أمهز «جسمه لبّيس» لكل أنواع التُّهم في بلد كلبنان. وما يزيد الأمر غموضاً، هو أن التهم المنسوبة إلى الرجل الذي تطول لائحة المسؤولين الذين قبلوا «هداياه»، لا تستوجب ــ قانوناً ــ إبقاءه في السجن، هذا إن ثبتت ضده. لكن هل يُعقل أن يُستدعى رجل كهذا لمجرّد ورود اسمه في إفادة موقوف؟ وما قصة قضية تهريب المخدرات التي اقترن توقيف أمهز بها؟ ولماذا أعطت النيابة العامة العسكرية إشارة فورية لفرع المعلومات بتوقيفه والإبقاء عليه موقوفاً؟
بدأت القصة منذ شهر تقريباً، بعدما استدعى فرع المعلومات في قوى الأمن الرتيب في جهاز أمن المطار ع. أ، للتحقيق معه على خلفية «كتاب معلومات» يُفيد بتورطه في عمليات تهريب هواتف خلوية. وبحسب المصادر الأمنية، جاء الاستدعاء بناءً على معلومة تُفيد بوجود رتيبين في «أمن المطار» (ع. أ. وم. ب)، يهرِّبان حقائب مقابل مبالغ مالية تراوح بين 500 دولار وألفي دولار. وعن الآلية، كشفت التحقيقات أنّ أحدهما كان ينتظر وصول الحقيبة التي يكون المهرّب قد أرسل له صورتها عبر الواتسآب، يفتحها ليسحب منها حقيبة أصغر حجماً. ثم يُخرجها من دون إخضاعها للتفتيش ويترك الحقيبة الأساسية في مكانها. غير أن ع. أ. نفى الاتهامات المسوقة ضده، ثم سرد رواية تُفيد بأنّ أحد الأشخاص عرض عليه تهريب هواتف خلوية مقابل مبالغ مالية. وذكر أنّه أبلغ الرائد ن. ض. بما عُرِض عليه، لكنّ الأخير لم يتوقّف عند العرض المقدّم أو يفتح تحقيقاً في القضية. وكرر الموقوف روايته هذه في مختلف مراحل التحقيق. لكنه لم يأتِ على ذكر كامل أمهز في الاستجواب الأول. أُحيل بعدها على استخبارات الجيش للتوسّع بالتحقيق معه، بناءً على إشارة معاون مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي، فاعترف ع. أ. بأنّه كان يهرّب حقائب لعدة أشخاص، بينهم أمهز وم. ج. وح. ش. وقد سُئل الموقوف عن حقائب تحتوي على مخدرات، فأفاد بأنّه إلى جانب حقائب الهواتف الخلوية، هرّب حقائب تبيّن أنها تحوي مخدرات وأموال. وبحسب الرواية التي تنقلها مصادر مطّلعة على التحقيقات، ذكر ع. أ. أنّه فتح حقيبة في إحدى المرات ووجد في داخلها هواتف خلوية. وأفاد بأنّه قبض لإمرار اثنتين من الحقائب مبلغاً مالياً أكثر مما قبضه عن إمرار باقي الحقائب. ولدى سؤاله عن السبب، ذكر أنّه فتح إحدى الحقائب ليجد في داخلها مبالغ مالية. أحيل بعدها على النيابة العامة العسكرية. وهناك استمع القاضي عقيقي لإفادته قبل أن يُشير بإحالته على فرع المعلومات مجدداً.


أظهرت نتائج التحليل المخبري وجود رذاذ كوكايين على حقائب متروكة في «مستودع الموجودات» في المطار


هذه المرّة أكّد ع. أ. اعترافه بتهريب الهواتف، لكنّه أنكر ما زعم أنّه «أُجبر على الاعتراف بتهريب حقائب تحوي مخدرات». ولدى إحالته على قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، أنكر إفادته بشأن حقائب المخدرات. ولمّا سأله أبو غيدا عن سبب التناقض، قال إنّه أدلى باعترافه بالقوة بعد تعرّضه للضرب خلال التحقيق. غير أنّه في جلسة الاستجواب نفسها، أصرّ على إنكار إفادته الأولية، سائلاً قاضي التحقيق: «لماذا أوقفتموني وتركتم الرائد ض؟». أعطى ع. أ. أسماء عسكريين يعملون تحت إمرة الضابط المذكور، مدّعياً أنّهم متورطون في عمليات التهريب بإيعاز من الضابط نفسه. وبحسب المصادر، رغم ما تقدم، لم يُطلب الاستماع إلى إفادة الضابط المذكور في جهاز أمن المطار. أما عن علاقة الرتيب الموقوف بالتاجر أمهز، فذكر أنّ المذكور قريبه وأنّه كان يدفع له مبالغ مالية لإمرار بعض الحقائب التي تحتوي هواتف خلوية، علماً بأنّه أكد أنّ التعامل لم يكن مباشراً، وأنّه لم يسبق أن التقاه. غير أنّ كامل أمهز أنكر ادعاء الرتيب الموقوف، قائلاً: «أديش بدها تساع الشنطة تليفونات؟ أوفر لي دفع الجمرك بدل دفع الرشوة». وأفاد الرتيب الموقوف بأن معظم الحقائب التي هرّبها تعود إلى كل من م. ج. وح. ش. وأظهرت داتا الاتصالات وجود ارتباط بين الموقوف والاسمين المذكورين. غير أنّ نقطة التحوّل في التحقيقات، كانت العثور على حقائب متروكة في «مستودع الموجودات» في مطار بيروت، تبين أن عدداً منها مطابق للصور التي عُثر عليها في هواتف الرتيبين الموقوفين. وبحسب المصادر نفسها، أظهرت نتائج تحليل هذه الحقائب وجود آثار كوكايين فيها.
وبحسب مصادر مطّلعة على ملف التحقيق. يُقسم ملف أمهز القضائي إلى قسمين: أحدهما لدى النيابة العامة المالية (التدقيق في اتهام تهريب الهواتف الخلوية والأموال)، والآخر لدى القضاء العسكري الذي يتعلّق بالرشوة والمخدرات. وفي هذا السياق، ردّ قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا طلب إخلاء سبيل تاجر الهواتف الخلوية المقدّم من وكيله القانوني نائل الحسيني، علماً بأنّ تاجر الهواتف أمهز مدعى عليه بجرم التهرّب الجمركي ودفع الرشوة بموجب المادة 353 من قانون العقوبات. علماً بأنّ التهمتين الموجهتين إليه، الأولى المتعلقة بالتهرب الجمركي تُحَلُّ بدفع غرامة مالية، فيما الثانية المتعلقة بالرشوة، لا تعدو كونها جنحة. وقد ادُّعي على الرتيب الموقوف بجرائم الاتجار والترويج ونقل المخدرات، بموجب المواد 125 و 126 من قانون المخدرات. وعلمت «الأخبار» أن المضبوطات الموجودة هي عبارة عن هواتف مهرّبة لم يثبت أنّ لأمهز علاقة بها. أضف إلى ذلك، فإنّ عمليات الدهم التي نُفّذت على متاجر أمهز لم يُضبط فيها أي بضائع مهرّبة. وبالتالي، يُصبح السؤال مشروعاً : لماذا لا يزال كامل أمهز في السجن، فيما المشتبه فيهما الرئيسيان خارجه؟ الإجابة عن هذا السؤال تُعيدنا إلى بداية القضية. لنفترض أنّ توقيف كامل أمهز لم يأخذ كل هذه الضجة. ولم يوصف الرجل في الإعلام بـ«أكبر مهرّبي الهواتف». ولم تُنسج كل هذه القصص حوله، هل كان القاضي سيتردد في بتّ إخلاء سبيله؟ وهنا بيت القصيد. هل يخشى القاضي إن تَرَكَه أن يُتّهم بقبض رشوة وأنّه بالإبقاء عليه يُخفّف الضغط الإعلامي ضده؟ وبالتالي، فإنّ القضاء خاضع للرأي العام. بل أكثر من ذلك. هل كامل أمهز متورط بأكثر من ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال برسم القضاء.