منذ العام الماضي، تسير نقابتا المهندسين، في بيروت والشمال، بخطى حثيثة نحو فرض نظام الخضوع لـ«امتحان الجدارة» لجميع متخرجي كليات الهندسة في لبنان والخارج، كممر إلزامي للانتساب إلى النقابة وبالتالي مزاولة المهنة.


يواجه هذا النظام اعتراضات من الطلاب الحاليين، الذين تداعوا إلى تنفيذ اعتصامات متزامنة أمام مقري النقابتين غداً الثلاثاء، فيما تعقد النقابتان اجتماعاً اليوم مع إدارة الجامعة اللبنانية، وهي من أبرز المعترضين على هذا النظام، والتي تعتبر أن فرض النظام غير ممكن من دون تعديل قانون تنظيم مهنة الهندسة، الذي لا ينص على شرط «امتحان الجدارة».

فشل النظام التعليمي

منذ أسبوع تقريباً (السبت 26 تشرين الثاني) أقامت نقابة المهندسين في بيروت حفل عشاء على شرف رؤساء الجامعات وعمدائها في لبنان، في مطعم مهنا انطلياس. كان ذلك مناسبة لتوضيح موقف النقابتين ومبررات السعي لفرض النظام المطروح. اعتبر رئيس اتحاد المهندسين اللبنانيين (الذي يجمع النقابتين) خالد شهاب أن هناك حاجة لـ»وضع ضوابط مفصلية تكبح حركة التخريج العشوائي، وتكون منطلقاً لإصلاح هذا القطاع»، وأشار إلى أن «الأعداد تفاقمت في اختصاصات موجودة ومتراكمة، إذ تجاوز عدد المنتسبين إلى نقابتي بيروت وطرابلس الـ63 ألف مهندس»، وقال: «للمعلومة فإن عدد المنتسبين إلى نقابة المهندسين في بيروت، منذ تأسيسها أي منذ 65 عاماً، بلغ 51163 مهندساً، مع ملاحظة لافتة أنه خلال الخمس سنوات الأخيرة، أي منذ سنة 2011، بلغ عدد المنتسبين 14613 مهندساً، أكثر من 38% منهم هم باختصاصي الكهرباء والاتصالات. كما نرى أيضاً أن عدد الطلاب المسجلين على مراحل التعليم في كليات العمارة والهندسة في الجامعات اللبنانية لعام 2015-2016 بلغ أكثر من 30000 طالب، وهي مسألة يجب التوقف عندها حماية للجامعات أولا وللمهندسين ثانياً، فإذا كان هذا الرقم نفتخر به وقد نريده أكثر إنما يجب أن يكون وفق الجودة والتوجيه الصحيح». وأضاف: «نعم سنعمل على السير بمشروع اختبار الجدارة لجميع الخريجين، الذي سيكون بالتعاون والشراكة مع كافة الجامعات اللبنانية، لينضم إلى المهنة ويمارسها من يستحقها فعلاً (...) حتى لا يتحول الخريجون إلى كتل بشرية عاطلة عن العمل».
إذاً، ينطلق الطرح من مبررات حماية المهندسين العاملين من المنافسة التي تفرضها تخمة الخريجين، أو بمعنى أوضح، حماية «الامتيازات» التي يتمتع بها المنتسبون إلى النقابة في ظل تراجع معدّلات الهجرة إلى الخارج وتراجع النشاطات المحلية، ولا سيما في البناء والإنشاءات والمقاولات بعد التدمير الممنهج الذي أصاب الصناعة والزراعة والفشل الذريع في ركب موجة التطوير التكنولوجي والاتصالات... بذلك، يعبّر طرح نظام امتحان الجدارة على الخريجين الجدد عن أزمة النموذج الاقتصادي اللبناني وعجزه عن خلق فرص العمل بالإضافة إلى أزمة نظام التعليم الذي تخصص أكثر فأكثر في تجهيز الخريجين لتصديرهم إلى الخارج، وهو ما خلق فوضى عارمة في إنشاء «دكاكين» جامعية تخرّج المئات سنوياً، ويجرى توزيع رخصها على المحاسيب ومؤسسات الطوائف والأحزاب المسيطرة.

لا معطيات إحصائية عن واقع المهنة

المشروع «ولّع» الجامعة اللبنانية، التي رفضت إخضاع متخرجيها لمثل هذا الامتحان، باعتباره يتجاوز، كما قال أساتذتها وطلابها، صلاحيات النقابة، ويصبّ في خانة تسديد خدمات للجامعات الخاصة، لا سيما المستحدثة منها.
لا ينطلق عميد كلية الهندسة رفيق يونس في مقاربته من أن الجامعة اللبنانية هي الجامعة الأم والمرجع فحسب لرفض الامتحان، بل يقول إن «نقابة المهندسين لم تقدم لنا الدراسات التي تثبت بأن امتحان الجدارة هو أفضل الحلول لتحقيق النوعية المهنية».


خالد شهاب: الامتحان
هو الحل لا إقفال
الجامعات الخاصة

برأيه، التبريرات التي تقدم في الخطابات لا تشير بوضوح إلى أن الأولوية في هذا الحل هو النوعية، إنما تستند إلى أعداد المنتسبين فقط وتظهر بأن الهم هو الامتحان. يقول: «لم تنجز حتى الآن دراسة موضوعية وعلمية لواقع مهنة الهندسة، فليس في حوزتنا معطيات إحصائية تتصل بأعداد المتخرجين العاطلين عن العمل، وما هي أعداد المهندسين اللبنانيين الذين يعملون في القطاع الخاص وما هي أعدادهم في القطاع العام وكم مهندس يهاجر للعمل في الخارج، وكم مهندس يأتي من الخارج للعمل في لبنان، وأي جامعة تخرّج أكبر عدد من الطلاب؟». يوضح أن الجامعة اللبنانية ليست هنا لتطالب بامتيازات بل هي على استعداد لوضع كل طاقاتها في خدمة النقابة بهدف حماية المهندسين المتخرجين شرط البحث عن حلول تحافظ على قيمة المهنة، والامتحان بشكله الحالي ليس حلاً.
كيف؟ يجيب: «إذا سلمنا جدلاً، بعد إجراء الدراسات، بأن الامتحان هو الحل، كيف يمكن الطلب من الجامعات نفسها وضع الأسئلة؟ هل يمكن أن نصدق أن أستاذاً نجّح تلميذه في الجامعة أن يرسّبه في امتحان النقابة؟ الأمر يفترض على الأقل اختيار هيئة محايدة لوضع الأسئلة. ثم أن الأسئلة يجب أن تراعي القوانين ومعايير النظام اللبناني، باعتبار أن برامج الجامعة اللبنانية هي المرجع.
يشير يونس إلى أن هناك أكثر من 100 اختصاص في الهندسة، فإذا كانت الأسئلة ستختبرهم في المواد المشتركة، يعني ذلك أنها ستختبرهم بكل شيء ما عدا الهندسة.

مرجعية الجامعة اللبنانية

للرئيس الأسبق لرابطة الأساتذة المتفرغين ومندوب كلية الهندسة شربل كفوري موقف جذري من إجراء الامتحان لمتخرجي الجامعة اللبنانية تحديداً. يقول إنّ مثل هذا القرار يتطلب تشريعاً وكل تشريع يجب أن يأخذ في الاعتبار القوانين التي ترعى شؤون الجامعة اللبنانية واستقلاليتها، «فالجامعة فوق الغربال فلا وصاية عليها وهي لا تخضع لأي امتحان في المهن الحرة أي في الطب والصيدلة وطب الأسنان». وما يؤكد مرجعية هذه المؤسسة الوطنية، بحسب كفوري، هو أن قانون التعليم العالي رقم 285 تاريخ 8/5/2014 لحظ تمثيلها في كل اللجان الأكاديمية والفنية رغم أن القانون يخص الجامعات الخاصة.
كفوري يصف المشروع بالتعسفي، «لكون متخرجينا يتمتعون بمستوى مميز تشهد له سوق العمل المحلية ومراكز الأبحاث العالمية». يعزو ذلك إلى أن تأسيس الكلية بني على معايير عالية، فقد اشترط مرسوم إنشائها أن لا يتجاوز عدد الأساتذة غير المهندسين 10 %، ومباراة الدخول موحدة بين الفروع، والمدربون غير حاملي الدكتوراه هم مهندسون ولديهم إذن مزاولة مهنة.
كفوري يلفت إلى أن «عدد متخرجينا في تناقص مستمر (بسبب التشدُّد في المستوى العلمي: لا ينجح سوى 18 % من المتقدمين لمباراة الدخول ولا يدخل من كان معدله أقل من 14 من 20)، فيما عدد المنتسبين سنوياً إلى النقابة بارتفاع مطرد، فالمشكلة إذن ليست في الجامعة اللبنانية، بل في مكان آخر، ونحن كخبراء أكاديميين ومهنيين لن نألو جهداً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».

مباراة وطنية

من الحلول التي طرحتها الجامعة اللبنانية في منتصف التسعينيات «مباراة وطنية concours national» للطلاب الذين يرغبون في دراسة علوم الهندسة، وعند النجاح يختار الطالب المؤسسة أو الجامعة التي يودّ متابعة الدراسة فيها.
برأي كفوري، «البناية ما بتتعمر من الطبقة الخامسة» والنقابة لا تتحمل وزر المشكلة، فمسؤولية وضع شروط للقبول في مهنة الهندسة تقع بصورة أساسية على مجلس التعليم العالي واللجان الفنية والأكاديمية فهناك مثلاً لجنة مزاولة مهنة الهندسة تضم كل الأطراف المعنية، أي المدير العام للتعليم العالي وممثل عن الجامعة اللبنانية وممثلين عن الجامعات الخاصة وممثلين عن نقابة المهندسين والقرارات تحمل تواقيع كل هؤلاء.
الرئيس الحالي للرابطة محمد الصميلي يؤكد ضرورة أن يكون للجامعة اللبنانية دور في الامتحان لكونها هي المرجعية حتى لو قادت المفاوضات مع النقابة استثناءها منه، مؤكداً أعلى درجات التنسيق والتعاون بين النقابة والجامعة لمصلحة الطرفين ولرفع مستوى المهنة بكل اختصاصاتها.

النقابتان: القرار قيد التشاور

أما نقابتا المهندسين فتنفيان أن يكون «امتحان الجدارة» موجهاً ضد أحد، والقرار النهائي سيؤخذ بعد التشاور مع كل الأفرقاء، لا سيما مع الجامعة اللبنانية التي لا غبار على المستوى الأكاديمي لمتخرجيها. لكن نقيب المهندسين في بيروت خالد شهاب يقول إنّ القضية مهنية وليست شعبوية، ونتجه لعقد مؤتمر صحافي لشرح الحيثيات العلمية التي أدت الى تبنّي هذا المشروع، وللأسف هناك في الجامعة اللبنانية من يريد تحميس الطلاب واستخدامهم كوقود، مستغرباً معارضة الجامعة الخضوع لهذا الامتحان بل هي من يجب أن تطالب به لو استثنتها النقابة، علماً بأن الموضوع لا يزال قيد التفاوض وسيعقد اجتماع في هذا الخصوص بين النقابة وممثلي كلية الهندسة في رئاسة الجامعة عند الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم (الاثنين). يرفض شهاب أن يكون الحل إقفال الجامعات الخاصة، بل نحن نريد أن نزيد العدد شرط أن يراعي الجودة والتوجيه الصحيح. اللافت ما يقوله لجهة أنّنا لم نحسم بعد ما إذا كان الامتحان سينظم قبل دخول كليات الهندسة أو بعد التخرج!

مديرية التعليم العالي مع «الكولوكيوم»

لا يمانع المدير العام للتعليم العالي ورئيس اللجنة الفنية والأكاديمية في مجلس التعليم العالي أحمد الجمال فكرة الامتحان أو «الكولوكيوم» في اختصاصات الهندسة، ما يسمح بضبط مستوى التعليم الهندسي للطلاب من داخل وخارج لبنان. لكن الجمال يرى أن إجراء النقابة يستوجب تعديلاً في قانون مزاولة مهنة الهندسة لجهة منع إعطاء إذن المزاولة لمن لا ينجح «الكولوكيوم» كما هي الحال بالنسبة إلى اختصاصات الصحة والطب. ويتمنى أن يتم التشريع بالتعاون مع وزارة التربية والوزارات المعنية إعطاء الإذن بالمزاولة.




الطلاب يعتصمون


اعتراضاً على توجه نقابتي المهندسين في بيروت والشمال لفرض امتحان الجدارة، تنفذ الهيئات الطلابية في كليات الهندسة والفنون والزراعة بكل فروعها باعتبارها الكليات الثلاث المعنية بالموضوع، اعتصاماً، عند العاشرة من صباح غد الثلاثاء، أمام مبنى نقابة المهندسين في بيروت وفي الوقت نفسه أمام مبنى نقابة المهندسين في الشمال. مصطفى عبد الله، رئيس مجلس فرع الطلاب في كلية الهندسة في الشمال وصف الامتحان بغير القانوني لكون فرضه يتطلب إصدار قانون بهذا الشأن من مجلس النواب، لافتاً إلى أنّ إخضاع متخرجي الجامعة الوطنية لامتحان هو تشكيك في مرجعية شهاداتها. ورأى أن النقابة شريك مع مجلس التعليم العالي في منح الرخص للجامعات الخاصة، وبالتالي لا يمكن للجهة التي تشارك في المحاصصة اللبنانية وتسهم في المشكلة أن تجترح الحل.




الآلية المقترحة

القرار اتُخذ بالمبدأ في المجلس الموحد للنقابتين، قبل أن يوضع على نار حامية لبحث الآليات والتفاصيل بالتنسيق مع الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة. الخطوة الأولى كانت الطلب من جميع الجامعات إرسال أسئلة للامتحان لتكوين «بنك أسئلة» من 300 ألف سؤال، كي يصار إلى اختبار المتخرجين بواسطة أجهزة الكومبيوتر كلّ في اختصاصه (20 سؤالاً في مادة الاختصاص و30 سؤالاً في الثقافة العامة المرتبطة بالاختصاص). الامتحان سيجرى في مكان محايد، بحسب ما يجزم نقيب المهندسين في بيروت خالد شهاب ونقيب المهندسين في الشمال ماريوس البعيني، وأنّ يداً بشرية لن تمسّ الأسئلة، لكون الحاسوب سيختارها عشوائياً (RANDOM).