يوقّع رئيس «المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق»، عبد الحليم فضل الله، كتابه الجديد «فخ اللامساواة: دراسة في أثر النمو في لبنان على الفقر وعدالة توزيع الدخل بعد اتفاق الطائف»، اليوم بين السادسة والثامنة مساءً في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب، في البيال.


الكتاب صادر عن دار الفارابي، وهو يتناول إشكالية عدم توافق المبدأ القائل إن النمو الاقتصادي يفيد كافة الطبقات الاجتماعية، مع الواقع الحاصل في لبنان، وذلك في إطار بحث عن أطر نظرية صالحة لدراسة النموذج اللبناني، تنطلق من مراجعة نقدية لأهم الأعمال النظرية الليبرالية، التي تتطرق إلى العلاقة بين النمو والفقر والتوزيع، واستنباط منهجية لاتباعها لدراسة الواقع اللبناني ما بين عامي 1992 و2010.
كان الاقتصاد اللبناني خلال مرحلة ما بعد منتصف القرن الماضي يُنظر إليه، كما يشير فضل الله، على أنه «لا يخلو من الفرادة». ففي منطقة لم تتوجه عامةً نحو «الانفتاح» (أي اللبرلة)، كان لبنان «رائداً» في ذلك، حيث شهد «تجارب نمو سهلة»، كان مصدرها القطاع الخاص دون تدخل مفرط من الحكومة، وهو ما كان محط إشادة باحثين اعتبروا أن الأرباح التي حُققت في تلك الحقبة، رغم «مناخ من الخيبات» السياسية والاجتماعية والتوترات الأمنية والعسكرية، خير دليل على صحة خيار الانفتاح الاقتصادي. ولكن فيما كانت المؤسسات الاقتصادية الدولية والمحلية، والحكومات اللبنانية، تعيد تدوير هذا الخطاب، كان الواقع يروي قصةً مختلفة تماماً، يتعايش «في إطارها النمو القوي مع تفاوتات متزايدة بين المناطق والفئات الاجتماعية والطبقات».
يشير فضل الله إلى الحاجة للنظر أبعد من الأرقام، التي قد ترسم صورة مخالفة أو مشوّهة للواقع لأسباب عدة، أهمها، عدم توافر كمية كافية من المعلومات، أو عدم ترابطها على نحو ينتج صورة متكاملة، خاصةً في إطار منهجيات قد لا تسعها التناقضات الكامنة في الصورة بأكملها. ويشرح أنه في خمسينيات القرن الماضي، كان بإمكان المرء رؤية التفاوتات الهائلة (التي أظهرتها دراسة إيرفد في الستينيات) عبر التجوال على المناطق اللبنانية المختلفة، التي، بحسب فضل الله، «لم تقتصر على البنى التحتية والعمران، بل أيضاً بأنماط الحياة وتوقعاتها»، حيث كان يقابل البؤس في بعض المناطق، تقدم في غيرها، وتمركز «الوحدات الاقتصادية الخاصة وأهم المرافق الحيوية»، مستفيدة من الامتيازات الاحتكارية، وقوة تمثيلها في السلطة. وكان إحدى نتائج ذلك، إيجادُ الكثير من اللبنانيين أنفسهم أمام خيارين، إما تقبّل التهميش وأما الهجرة.


كان يُنظر
الى اقتصاد لبنان
في الماضي على أنه
«لا يخلو من الفرادة»


أما بعد الحرب الأهلية، فيقول فضل الله، إن الاقتصاد اللبناني شهد تحولات جديدة، قللت من درجة ظهور التفاوتات العمرانية والمناطقية، «بل صارت كامنة في باطن النشاط الاقتصادي الخاص وفي أروقة الإدارات المسؤولة عن توزيع الأموال العامة». كذلك أصبح الفقر والتفاوت أكثر رسوخاً. إضافةً إلى ذلك، وخاصّةً خلال العقد الأخير من القرن الماضي، يشير الكاتب إلى أن الثروة لم تعد متمركزة في أيدي «مجموعة طائفية أو مناطقية محددة»، بل اتسعت المجموعة، ما أسهم في تحول التفاوت عن ميله المناطقي سابقاً، إلى ميل أكثر طبقيةً. كذلك لا يمكن، بحسب الكاتب، تجاهل الدور الكبير الذي تلعبه التحويلات الخارجية، إن كان في تخفيف الآثار السلبية المباشرة في مسألة المساواة والفقر، أو في زيادة الغموض في علاقة النمو بالأخيرتين، بكونها تدفقات مالية ترفع القدرة الاستهلاكية للأسر، دون الحاجة لتغيير طبيعة إنتاجيتهم أو رفعها.
واعتبر الكاتب أن ما أظهرته تلك المراحل، ما بين الحرب الأهلية وما بعدها، أن الفشل في الوصول إلى اقتصاد تنموي ما، كانت بالأساس بنيوية لا تطبيقية.
من هنا ينطلق الكتاب في بحث حول علاقة النمو بالمساواة والفقر، مع محاولة لتقديم نموذج مناسب لدراسة الواقع اللبناني، في خمسة فصول، تبدأ بتناول المسألة على المستوى النظري من خلال مراجعة نقدية لأهم الأعمال الليبرالية في مجالي الاقتصاد السياسي والكلّي الكلاسيكية والأكثر حداثة، في العلاقة بين نمو الدخل الفردي والناتج المحلي من ناحية، والفقر والمساواة من الناحية الأخرى، وذلك في سياق تحديد إطار نظري للبحث. ثم ينتقل إلى شرح ونقد لمفاهيم الفقر واللامساواة، ومؤشراتهما والمعايير المعتمدة عالمياً، خلال محاولة لإيجاد المعايير الأنسب للبنان. وبعد دراسة مسارات النمو في لبنان والعوامل المؤثرة فيه، إضافةً إلى مؤشرات الفقر واللامساواة في لبنان خلال السنوات التي يغطيها البحث، ويعمل على «استكشاف علاقتهما بالأداء الاقتصادي». أخيراً، يقدم البحث تحليلاً ونماذج قياسية بسبيل تحديد العلاقة بين نمو الناتج المحلي، والدخل الفردي أو الأسري، ومتغيرات الفقر واللامساواة على مدى سنوات البحث.