كثيرة هي مشاريع القوانين الانتخابية المتنقلة في اللجان النيابية منذ 10 أعوام لغاية اليوم. وكان يفترض بالقوى السياسية أن تتوافق على قانون يؤمن الحدّ الأدنى من التمثيل الصحيح لتعرضه كإنجاز وخرق في جدار النظام السياسي القائم منذ الطائف، وأقله حتى يتسنى لأي مرشح غير حزبي أن يصل إلى البرلمان النيابي ويحافظ على استقلاليته في آن، من دون الحاجة الى تقديم فروض الطاعة لمحادل الأحزاب صباحاً ومساءً.


الا أن كل المشاريع المطروحة لم تجتهد سوى لدفن استقلالية المرشحين غير الحزبيين وردّهم الى بيت الطاعة حتى يبقى الموزاييك الطائفي متحكماً باللعبة السياسية؛ والأهم مطمئناً الى ظهره المحمي من حلفائه قبل خصومه. لذلك، تمّت شيطنة النسبية على أساس الدائرة الواحدة فور طرحها تحت عناوين هزلية وتستخف بعقول الرأي العام، ليس أبرزها عدم جهوزية اللبنانيين للانتقال من النظام الأكثري الى النظام النسبي مرة واحدة. وبالطريقة نفسها التي تمّ التذاكي بها على الطائف والدستور وما يفرضه من انتخابات تحقق المساواة والتمثيل الصحيح، عجنت القوى السياسية النظام النسبي وخبزته، فخرج «المختلط» بألف شكل ولون. والحق يقال، أن مشاريع القوانين الانتخابية المختلطة فيها من العجائب ما فاجأ صانعيها بالدرجة الأولى. فحتى النسبية التي تعد من أفضل أنظمة التمثيل، تمّ تدجينها وقولبتها وفقا لدوائر ومحافظات، لتصبح نظاما دكتاتوريا يتلاءم مع مصالح الأحزاب، ويعيد فرز الطبقة السياسية نفسها محطّماً طموحات أي قوى مستقلة ونصف ناخبي بعض الدوائر. ولكن، مجددا، لم يكن أحد ليتوقع بالدرجة الأولى أن تنتج هذه الأحزاب المتشبثة بالسلطة والمال قوانين عصرية تقلل من سطوتها السياسية وتساهم في إحداث ولو خرق ضئيل لملعبها المرسوم منذ 30 عاما. ولم يكن أحد ليستخف أصلا بحنكة ودهاء زعماء الأحزاب وقدرتهم على افراغ الأنظمة والمشاريع والأفكار وكل ما يأتي في طريقهم، ثم علكه لمدة طويلة حتى ينقطع نفس محاورهم ويعتريه اليأس، فيوافق على مشروع ــــ تسوية فُصّل على قياس الطباخين. هكذا، بات الخيار اليوم بين السيئ والأسوأ، الابقاء على قانون الستين أم الذهاب الى قانون مختلط ما بين أكثري ونسبي وفقا لمعدّيه فيما هو لا يمت للنسبية بأي صلة. في ما يلي استعراض لأربعة مشاريع قوانين انتخابية يتم التداول بها في اللجان والصالونات السياسية كبديل عن قانون الستين، وشرح مفصل لايجابياتها وسيئاتها كما آلية الاقتراع فيها

1 ــ المشروع المختلط للقوات اللبنانية وتيار المستقبل والحزب الاشتراكي



يمزج الاقتراح بين النظام الاكثري ونظام الاقتراع النسبي، إذ يجري التنافس على 68 مقعدا نيابيا من أصل 128 بحسب تقسيم الأقضية الحالي (مع فصل قضاء حاصبيا عن مرجعيون) على أساس النظام الاكثري. اما الاقتراع على اساس النسبية فيطبق على 60 مقعدا حيث يتم الاقتراع بحسب المحافظات التاريخية (بيروت، الجنوب، البقاع، الشمال) مع استثناء لمحافظة الجبل حيث يتم تقسيم الجبل الى محافظتين: جبل لبنان الجنوبي ويضم قضائي الشوف وعاليه، وجبل لبنان الشمالي الذي يضم اقضية بعبدا، المتن الشمالي، جبيل وكسروان.
في مقاعد نظام الاقتراع الأكثري، يقول رئيس «مركز بيروت للأبحاث والمعلومات» عبدو سعد، «يضع المشروع 28 مقعداً مسيحياً في دوائر ذات اغلبيات مسيحية، 11 منها تقع في دوائر ذات اغلبيات مسيحية ساحقة حيث لا فاعلية لأصوات المسلمين و17 مقعداً في دوائر ذات أغلبية مسيحية، إلا ان الصوت المسلم فيها هو المرجح. وعليه فإن المسيحيين ينتجون بقوتهم الذاتية في نظام الاقتراع الأكثري 11 مقعداً فقط (وفقا لانقسام القوى المسيحية كما كان الحال قبل اتفاق التيار الوطني الحر والقوات، تاريخ وضع المشروع). يضاف اليها 26 مقعداً مسيحياً يُنتخب نوابها وفق نظام الاقتراع النسبي، ليبلغ مجموع عدد المقاعد المنتجة بـ»القوة الذاتية للمسيحيين» في هذا المشروع 37 مقعداً».
ما سبق يظهر، بشكل واضح، عدم اكتراث القوات فعليا بـ «صون التمثيل المسيحي» أو بانتخاب الطائفة المسيحية لكل نوابها، ما يعني رضاها الضمني عن ما كل ما أنتجه قانون الستين. الا أن الفضيحة في هذا المشروع ليست في هذه النقطة، بل في المعايير المعتمدة في عملية تحديد المقاعد المخصصة للأكثري وتلك المخصصة للنسبي، والتي أقل ما يمكن وصفها بالاستنسابية الطائفية الوقحة.

يزيد المشروع من تهميش المرشحين المنفردين والمجموعات المدنية المستقلة
فعلى سبيل المثال، تمّ فصل حاصبيا عن مرجعيون لمنع حزب الله وحركة أمل من الفوز بالمقعدين السني والدرزي، فيما أبقي على قضائي البقاع الغربي وراشيا دائرة واحدة، لضمان فوز قوى 14 آذار بالمقاعد الدرزي والشيعي والماروني والأرثوذوكسي، إضافة إلى المقعدين السنيين. في الوقت نفسه، أبقيت كامل مقاعد بشري والبترون وصيدا على أساس الأكثري لضمان فوز القوى نفسها بهذه المقاعد، وحتى تسقط أي محاولة لتغيير التمثيل النيابي في البترون وبشري بغير ما ترتضيه القوات وتيار المستقبل ويرتاح السنيورة في صيدا. كل ذلك لخدمة الهدف الأول بالحفاظ على الاصطفافات السياسية والحصص الانتخابية كما تريدها قوى 14 آذار، وهو ما يستحيل أن تقبل به باقي القوى وبالأخص حزب الله والتيار الوطني الحر. وبالتالي سقط هذا المشروع بسبب عدم قابليته حتى للتعديل، لغياب المنطق والمساواة وتقسيم الدوائر والمحافظات وفق دوافع سياسية، اذ يستحيل معرفة المعيار المعتمد لابقاء مقاعد دائرة واحدة جميعها على الأكثري هنا وتقسيم أخرى ما بين أكثري ونسبي هناك.
آلية الاقتراع في هذا القانون تعتمد على وجود صندوقين، واحد للنسبي على أساس المحافظات المعدّلة والآخر للأكثري على أساس الأقضية المعدّلة هي الأخرى.

2 ـ مشروع رئيس مجلس النواب نبيه بري المختلط [1]



هو النسخة الأولى من المشروع الذي يضع 64 مقعدا على النظام الاكثري، و64 مقعدا وفق نظام الاقتراع النسبي. ويتم التنافس في القضاء على اساس الاكثري، اما الاقتراع على اساس النسبي فيتم وفق المحافظات التاريخية (بيروت، الجنوب، البقاع، الشمال) مع استثناء لمحافظة الجبل حيث يتم تقسيم الجبل الى محافظتين: جبل لبنان الجنوبي ويضم اقضية الشوف وعاليه وبعبدا؛ وجبل لبنان الشمالي الذي يضم اقضية المتن الشمالي وجبيل وكسروان. في نظام الاقتراع الأكثري، يقول مدير «مركز بيروت للأبحاث والمعلومات» عبدو سعد، «يضع المشروع 23 مقعداً مسيحياً في دوائر ذات اغلبيات مسيحية، 8 منها تقع في دوائر ذات اغلبيات مسيحية ساحقة حيث لا فاعلية للاصوات المسلمة و15 مقعداً في اغلبيات مسيحية الا ان الصوت المسلم فيها هو المرجح». وعليه ينتج «المسيحين بقوتهم الذاتية في نظام الاقتراع الأكثري 8 مقاعد فقط، تضاف اليها 26 مقعداً على اساس نظام الاقتراع النسبي فيكون مجموع عدد المقاعد المنتجة بالقوة الذاتية للمسيحيين في هذا المشروع 34 مقعداً».

المشروعان المسميان بـ«المختلط» لا
يمتان للنسبية بصلة سوى بالاسم

الفارق بين مشروع القوات ومشروع بري، أن الثاني في تحديده للمقاعد المخصصة على أساس النسبي والأكثري اعتمد معايير غير موحدة ولكن منطقية تؤمن التوازن العددي بين مقاعد الأكثري والنسبي، فلحظ كل الدوائر على هذا الأساس ولم يميز قضاءً على آخر. الا أن المشروعين المسميين بـ«المختلط»، ورغم اقحامهما للنسبية في النظام الانتخابي، لا يمتان للنسبية بصلة سوى بالاسم بحسب سعد. وذلك لأن نتائج المشروعين تبدو مطابقة بالكامل لنتائج التصويت الأكثري، بحيث لن يستطيع أي مرشح مستقل الفوز اذا غرد خارج سرب الأحزاب والتحالفات نظرا الى أن النسبية مطبقة في «نصف محافظة». ما سبق يقود الى رفع المعدل (الحاصل الانتخابي) التي تحتاجه أي لائحة للتمثل بمقعد واحد. ففي بيروت، مثلاً، ستكون أي لائحة مرشحة للمقاعد التي يتم انتخابها وفق النسبية بحاجة إلى ما يزيد على 25 ألفاً للحصول على مقعد واحد. وفي الجنوب نحو 45 ألفا. ومن الصعب على أي فرد أو مجموعة الحصول على هذا الرقم. حتى في حال تشكيل لوائح من الأحزاب اللبنانية العريقة، كالحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي، فسيكون من الصعب على أي منها الفوز بمقعد واحد. وهذا يناقض أدنى أهداف النسبية التي وضعت خصيصا من أجل حفظ حقوق الأقليات وضمان تمثيلها حتى لا تسحقها الأكثرية الحاكمة. هذا في القسم المتعلق بالنسبية. اما بالنسبة للأكثري فستأتي النتائج مطابقة لما أنتجه قانون الدوحة في احسن الأحوال. والخلاصة، القوانين المختلطة المطروحة مجرد بدعة أو هرطقة لا يعمل بها في اي دولة من العالم .فألمانيا، مثلاً، تعتمد المختلط على اساس الدائرة الوطنية في الشق النسبي (نصف المقاعد) والنصف الآخر على اساس الدوائر الفردية. وفلسفة المختلط هنا هدفها تأمين مقاعد للاحزاب الناشئة في الاقاليم حيث قوتها الانتخابية لأن من الصعوبة تأمين عتبة الـ 5% المطلوبة على مستوى الدائرة الوطنية لتضمن التمثل.

3 ـ مشروع رئيس مجلس النواب نبيه بري [2]



المشروع هذا لا يزال قيد الدرس في الكواليس السياسية ولم يطرح بشكل رسمي بعد لذلك يفتقد لبعض التفاصيل المهمة. وقد تم اعداده بعد رفض التيار الوطني الحر وحزب الله للمشاريع المختلطة. يقوم النظام الانتخابي على مرحلتين، الأولى تأهيلية على أساس الأرثوذكسي الأكثري أو انتخاب كل طائفة لنوابها، فلا يمكن مثلاً لمواطن سني المشاركة في تأهيل مرشح شيعي أو مسيحي أو درزي والعكس صحيح.
ويفترض بكل مرشح أن يلتزم اللوائح الطائفية المعدّة من قبل الأحزاب والقوى حتى لو كان علمانياً ولاحزبيا. حتى الساعة لم تحدد آلية انتقاء المرشحين المؤهلين ولا تزال الصورة فضفاضة والاحتمالات مفتوحة ما بين اعتماد 20% من المرشحين المؤهلين أو اعتماد مرشحين اثنين عن كل مقعد أو غير ذلك كليا. في المرحلة الثانية، يتم الاقتراع على أساس النسبية في المحافظات ويمكن للمسيحي هنا انتخاب المسلم والعكس صحيح. في هذا الشق يعارض تيار المستقبل والقوات والاشتراكي، كلّ على نقطة معينة وأبرزها تقسيم المحافظات بحيث تصبح مقاعد الطائفة السنية على سبيل المثال غير محتكرة كليا من تيار المستقبل.
رغم لحظه للنسبية في المرحلة الثانية، يبقى هذا القانون سيئا في المرحلة الاولى لتعزيزه الانقسام الطائفي وتعامله مع الأفراد والمرشحين على أساس مذهبي. من جهة أخرى، يزيد المشروع من تهميش المرشحين المنفردين والمجموعات المدنية المستقلة ويمنعها من التمثل في البرلمان الا من خلال ركوب البوسطة الحزبية المذهبية للتأهل الى المرحلة الثانية. وهكذا لا يختلف عن سابقيه من القوانين المختلطة وقانون الستين.

4 ـ مشروع قانون النسبية على أساس لبنان دائرة واحدة



هو المشروع المثالي والأكثر مطابقة للدستور والعدالة التمثيلية والمساواة بشهادة جميع الأحزاب والقوى السياسية، شرط أن يبقى حبرا على ورق. فعندما يتعلق الأمر بتطبيقه في لبنان، يحكم تيار المستقبل والحزب الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية قبضاتهم ويتوالون على قذفه بعيدا كلّ لسبب يخصه بدءا بتقليص النسبية لحجمه وفضح تمثيله الحقيقي وصولا الى خسارته جزءاً من النفوذ السياسي في مناطقه التي يعتبرها مطوّبة له. في المقابل، فإن النسبية مطلب التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل اضافة الى الأحزاب العلمانية والقوى المستقلة.

يساهم في إدخال «دم جديد» إلى مجلس النواب، ومنح الأحزاب الصغيرة حق التمثل

وبعيدا عن مصالح الأحزاب لرفضها، تسمح النسبية المطلقة لأي مواطن في أي قضاء باختيار لائحة من اللوائح المشكلة في كل لبنان والاقتراع لها دون تعليبه وفقا لانتمائه الطائفي والمذهبي. وهذا بحدّ ذاته خرق كبير في النظام الطائفي اللبناني وقوانين انتخاباته غير الديمقراطية والمجحفة بحق الأقليات (الطائفية والمذهبية والعلمانية والمستقلة) منذ اتفاق الطائف حتى اليوم. والأهم أن المشروع النسبي يساهم في إدخال «دم جديد» إلى مجلس النواب، ومنح الأحزاب الصغيرة حق التمثل بحسب قوتها الحقيقية، فضلا عن تعزيزه طموح الأفراد ومنحهم أملاً بالفوز بمقعد نيابي من دون التزلف لزعماء الطوائف والرضوخ لمطالبهم.
تختلف آلية الاقتراع وفق للنظام النسبي عن باقي الآليات ويفترض بالمقترع قبيل اسقاطه للائحة في الصندوق الانتخابي، انتقاء اسم مرشحه المفضل في اللائحة ووضع اشارة الى جانبه في ما يعرف بـ«الصوت التفضيلي أو الصوت الترجيحي». بعد انتهاء عملية الاقتراع في كل لبنان، يتم احتساب أصوات كل لائحة. وعلى سبيل المثال، اللائحة التي تحصل على 30% من الأصوات تفوز بالنسبة ذاتها من عدد المقاعد. أما بالنسبة للأصوات التفضيلية فيتم احتسابها وفقاً لما ناله كل مرشح. وذلك وفق شرطين: 1 ــــ أن يكون المقعد بالتراتبية لا يزال شاغرا. فعلى سبيل المثال اذا ترشح كل من رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس حزب القوات سمير جعجع على المقعد الماروني في الاشرفية، وسبق باسيل جعجع بالأصوات الترجيجية يفوز باسيل تلقائيا بالمقعد ويشطب جعجع على أن يتم التعويض للائحة جعجع في مكان آخر. 2 ـــــ أن لا تكون اللائحة قد تخطت عدد المقاعد التي فازت بها.