أواخر تشرين الأول الماضي، ردّت وزارة البيئة على مراسلات "مجلس الإنماء والإعمار" المتعلّقة بمشروع نقل الملعب البلدي الى حرج بيروت، فاعتبرت أن "المشروع المذكور ليس بحاجة الى دراسة تقييم أثر بيئي، شرط توقيع التعهّد المرفق".


وأوضح وزير البيئة محمد المشنوق، في اتصال مع "الأخبار"، أن الوزارة وافقت على المشروع من الناحية البيئية المتعلّقة بتأثير مداخل المشروع على البيئة السكنية المحيطة مُشيرا إلى مجموعة من الشروط التي وضعتها الوزارة لتنفيذ المشروع. ولكن، ما هي طبيعة هذه الشروط؟ يُجيب المشنوق، هنا، بأن لا علاقة للوزارة بـ "الشروط الإنشائية" وبالمباني، لافتا الى ان المشروع سيُنفّذ على جزء من أطراف الحرج وأن الوزارة اشترطت "عدم المساس بالأحراج". أمّا الشروط فهي، بحسب الوزير، من نوع تأثيرات الصرف الصحي وتأثير المداخل وغيرها.
وكان مجلس الوزراء وافق في 18/12/2014 (القرار رقم 62) على خطة بلدية بيروت القاضية بنقل الملعب البلدي في منطقة طريق الجديدة و"زرعه" في منطقة قصقص (حرج بيروت)، على ان يتمتّع الملعب الجديد بـ "مواصفات دولية" لجهة إنشاء إستاد ضخم ومواقف للسيارات وإقامة أندية. لم تجد الوزارة إذاً في مشروع ضخم سيُقام على حساب المتنفس الأخضر "اليتيم" في العاصمة، ما يدفعها الى التعمّق في حجم الضرر الإجتماعي والصحي الذي قد ينجم عنه.
ورغم أنه لم ينقضِ شهران على قرار الموافقة، يقول المشنوق إن قضية الملعب البلدي "قديمة"، لافتاً الى أن المشروع لن يُنفّذ قريباً!
عندما أُثيرت قضية بناء الملعب البلدي على الحرج قبل أكثر من عام، لاقت خطة البلدية اعتراضات كبيرة من ناشطين وخبراء في مجال التنظيم المُدني اعتبروا حينها أن المشروع سيُدمّر خاصية الحرج وسيؤثر على طبيعة استعماله من قبل العموم، فضلا عن انه سيقضم من مساحته الحرجية الخضراء. آنذاك، جرى "تنويم" الخطة ولم يُعد طرحها من قبل المجلس البلدي القديم. إلا أن موافقة وزارة البيئة ومراسلات مجلس الإنماء والإعمار التي بدأت في أيلول الماضي، تشي حُكما بإعادة طرح المشروع الذي يأتي ضمن سياق ممنهج من التعديات التي مارسها المجلس البلدي القديم ضدّ الحرج.


موافقة وزارة البيئة ومراسلات مجلس الإنماء والإعمار تشي حُكما بإعادة طرح المشروع


فالمجلس نفسه، أصدر في 5/5/2015 قراراً حمل الرقم 327 يقضي بتغيير تصنيف جزء من حرج بيروت من منطقة تاسعة يُمنع البناء عليها، الى منطقة رابعة يُسمح البناء عليها بمعدل استثمار سطحي 50%. ويقول المدير التنفيذي لجمعية "نحن" محمد أيوب لـ "الأخبار" إن هدف البلدية من هذا القرار هو "حماية التعديات القائمة حول الحرج من مبان متعدية وغير مرخصة (...)، وعوضا من إزالتها بهدف استرداد مساحات الحرج يتم قوننتها".
في البيان الذي أصدرته، تشير جمعية "نحن" الى أن بلدية بيروت اتخذت القرار بحجة تعذّر الإقدام على تدابير قانونية تؤول الى اخلاء الأقسام (بعض المباني والمقاهي)، وتساءلت: "هل يجوز تصحيح وضع بناء معتدٍ على الأملاك العامة بالسماح له ولغيره لاحقاً بالبناء قانونيًا عبر تغيير الارتفاق ونظام المنطقة؟ معتبرة أن هذا القرار سابقة على المستويات القانونية والتنظيمية.
قرار تغيير التصنيف هذا، استفاد منه المجلس البلدي الجديد لبلدية بيروت عندما اتخذ قراره (رقم 170) في 23 آذار الماضي القاضي ببناء مستشفى ميداني في الحرج على موقف السيارات الخلفي والذي بوشرت الأعمال فيه منذ حزيران الماضي. ويقول أيوب إن بناء المُستشفى "مخالفٌ لنظام المنطقة التاسعة الذي يمنع أعمال البناء نهائيا، ومخالفٌ للمرسوم الذي يصنف المنطقة محمية طبيعية"، لافتا الى أن ترويج البلدية بأن المستشفى هو هبة مصرية بهدف إظهار أنها محرجة في حال أُوقف المشروع هو "تضليلي". وكانت الجمعية قد أضافت في بيانها في هذا الصدد: "اكتشفنا في مقابلة مع السفير المصري السابق أن الهبة تنحصر فقط بتأمين الأدوية والأطباء، وقد فوجئ المسؤولون المصريون بتخصيص مساحة 2300 متر مربّع وبناء مستشفى من ثلاثة طوابق لم يكونوا قد طالبوا به أساساً!".
هذا الأمر يوضّح نظرة بلدية بيروت الى الحرج بوصفه ملكا خاصا لها، وكيف تستخدمه كـ "مخزون" لها عندما تحتاج "تصريف" أمورها ومشاريعها. وللتذكير، فإنّ مساحة حرج بيروت كانت تتجاوز المليون متر مربع. اليوم، تُشير الأرقام الى أن مساحته لا تتعدّى الـ 300 ألف متر مربع، ما يعني أن700 ألف متر جرى قضمها على مدى سنوات. من جهتها، تقول "نحن" أن مساحة حرج بيروت تبلغ نحو 500 ألف متر مربّع، أي أن مساحة الحرج تشمل خارج نطاق المنتزه. وتلفت الى أن هذه المساحة هي ملك عام "وهو ضمن المنطقة التاسعة من بيروت حيث يمنع البناء بشكلٍ نهائي". وعليه، طالبت الجمعية المجلس البلدي لبلدية بيروت بإلغاء هذه القرارات فوراً وإزالة كل التعديات عن حرج بيروت، والتخلي عن سياسات المجالس السابقة القائمة على فرض القرارات السيّئة مراراً وتكراراً من دون استشارة الناس. كذلك طالبت وزارة البيئة "بالتراجع فوراً عن قرارها المجحف بحق البيئة والقانون والناس و بيروت (..)، وبالتقيّد حصرياً بما تنص عليه الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية وعدم إعطاء أي موافقة لأي مشروع بناء في حرج بيروت".