منذ عدوان 2006، تجهد إسرائيل لجمع معلومات عن كل ما يتعلق بحزب الله في الساحة اللبنانية وفي غيرها. وسواء صحت المعطيات التي وردت في الخريطة التي وزّعها الجيش الإسرائيلي أمس، أو كانت مغلوطة، أو مختلطة بين مغلوطة وصحيحة، تبقى الخريطة وما يرد فيها عملاً طبيعياً تعمد إليه أي جهة محترفة ومهنية لمواكبة ما تظن أنه تموضع لقدرات أعدائها. والصحيح أيضاً أن لدى حزب الله خريطة ــــ وربما خرائط ــــ مقابلة. وهو أيضاً عمل طبيعي ومتوقع من قبله. إلا أنه لم يعمد ــــ كما في الحالة الإسرائيلية ــــ إلى نشر خرائطه، مع أن المتوقع أن ما يرد خريطة الحزب يزيد أضعافاً على ما يرد في الخريطة الإسرائيلية، ربطاً بالقدرة والانتشار العسكري وغير العسكري في طول فلسطين المحتلة وعرضها، وبما يشمل أهدافاً عسكرية وشبه عسكرية واستراتيجية وشبه استراتيجية... وغيرها.


السؤال لا يتعلق بما يرد في الخريطة الإسرائيلية، بل بمناسبة النشر وتوقيته وأهدافه: ماذا تريد أن تقول إسرائيل؟ ما هي المناسبة أو الحدث أو المتوقع الذي يدفعها إلى النشر، علماً بأن النشر لا يفهم منه إلا كونه عملاً ردعياً أو "تخويفياً" يراد منه التأثير بقرارات حزب الله في مواجهة إسرائيل.
لا جدال في أن التوقيت لا المضمون هو جوهر الحدث. صحيح أن إسرائيل نشرت سابقاً خرائط موضعية لقرية هنا وأخرى هناك تتضمن أهدافاً ردعية أو دعائية لعرضها أمام زائرين أجانب وفدوا إليها، أو من على منصة الأمم المتحدة. لكن نشر الخريطة الآن، باتساعها وجغرافيتها، غير مسبوق.
لا حاجة إلى الكثير من التدبر كي يدرك أي متابع أن الهدف ردعي، ويأتي في سياق استشراف إسرائيل متغيرات في الساحة الإقليمية، من شأنها أن تزيد من التهديد الماثل أمامها، في مقدمها انتصارات الجيش السوري وحلفائه في الساحة السورية عموماً، وما يجري هذه الأيام في حلب خصوصاً. إذ إن الرهانات الإسرائيلية على قدرة الجماعات المسلحة على إحداث تغيير جذري في المعادلة السورية، وبالتالي المعادلة الإقليمية المتصلة بمحور المقاومة، تتجه نحو التبدد. وهذه القراءة لا تقتصر على الإسرائيلي، بل على مجمل الإقليم، ومن نتائجها البيّنة تعاظم خطر حزب الله، باعتباره رأس حربة في محور مقاومة إسرائيل.
وفي سياق مسار تشكل الساحة السورية نحو واقع غير مناسب لتل أبيب، يأتي تكثيف إسرائيل غاراتها على الساحة السورية، التي يقول إعلامها إنها تندرج ضمن استراتيجية "المعركة بين الحروب" التي تهدف إلى الحد من تعاظم حزب الله العسكري النوعي، من سوريا وعبرها إلى لبنان.


لدى حزب الله
خريطة مقابلة تتضمن أضعاف ما يرد في الخريطة الإسرائيلية

ضمن هذين المعطيين ــــ تبدّد الرهان وتكثيف استراتيجية "المعركة بين الحروب" ــــ وبالتزامن معهما والأهم البناء عليهما، توضع على طاولة البحث في تل أبيب سيناريوهات وفرضيات، منها المتطرف والمتطرف جداً، وليس من ناحية إسرائيل وحسب، بل من ناحية أعدائها أيضاً، وفي مرحلة تتسم باندفاعة الدولة السورية وحلفائها نحو تثبيت انتصاراتهم وتتابعها أمام المسلحين.
من هنا، يأتي السؤال المبني على "نشر الخريطة" وتوقيتها ومناسبتها: هل تندفع إسرائيل إلى التفكير بالحاجة إلى الارتقاء وتوسيع المعركة، ما يستتبع منها "حركات" تخويفية؟ علماً أن ما لم يتحقق في السنوات الماضية، لن يكون بالمقدور تحقيقه قياساً بمعطيات هذه المرحلة، بعدما بات الجيش السوري وحلفاؤه في موضع وقدرة وإرادة مختلفة تماماً عما كانوا عليه في مرحلة المراهنة الإسرائيلية على المسلحين.
مع ذلك، تنتظر تل أبيب تسلم الإدارة الأميركية الجديدة مهماتها لبلورة خياراتها إزاء الساحتين اللبنانية والسورية، وأيضاً الإقليمية، بتنسيق تام مع واشنطن، خصوصاً أنها لا تستطيع أن تتفرد بقراراتها، فضلاً عن أنها غير قادرة من ناحية عسكرية على تحمل التبعات من دون الأميركيين.
الخريطة الصادرة عن تل أبيب، ومن منطلق الهدف "التخويفي" الذي أُريد لها، تعني أنها معنية في هذه المرحلة بالسعي إلى ردع ــــ أو تعزيز ردع ــــ حزب الله وحلفائه. هذا هو الهدف من نشرها، وقد يعود ذلك إلى مأزق عدم قدرتها على "بلع" الواقع المتشكل في سوريا، ما يستلزم منها تحركاً لا تريده بسبب تبعاته وما يمكن أن ينجم عنه من أثمان.
وكنتيجة لهذا المأزق، هناك ضرورة لرفع الصوت عالياً في مرحلة دراسة الخيارات البديلة الموضوعة على طاولة القرار في تل أبيب، ما يوجب على الإسرائيلي التهويل وعرض أوراق القوة والصراخ.
ويزيد من المأزق الإسرائيلي أن تل أبيب تلاحظ أن البيانات السورية والإعلان السوري الرسمي عن الاعتداءات الإسرائيلية تنطوي على دلالات مقلقة قد تشي بتغيير، هو بدوره دافع إلى زيادة جرعات "التخويف".
في الوقت نفسه، جاء صدور تقرير مراقب الدولة، الذي يحظى بصدقية مرتفعة لدى الجمهور الإسرائيلي، معلناً هشاشة استعداد الجبهة الداخلية الإسرائيلية للحرب المقبلة. فالإعلام العبري تلقّف التقرير ومضمونه، وربطه بقدرة حزب الله العسكرية وعشرات آلاف الصواريخ الموجودة في حوزته، مع إمكان نشوب حرب. هذا الربط، كما بدا في التقارير الإسرائيلية، من شأنه أن يعزز ردع حزب الله قبالة إسرائيل باعتبارها غير جاهزة لخوض حرب، على نقيض ما تدّعيه المؤسسة الأمنية عن جاهزية تكاد تكون غير مسبوقة. وليس مستبعداً أن تكون الخريطة، كما وردت، موجهة أيضاً لإعادة التوازن للمشهد، سواء بالنسبة إلى الجمهور الإسرائيلي بهدف الطمأنة، أو باتجاه حزب الله بهدف الردع. إذ إن الانطباع الذي يتكون لدى حزب الله حول هشاشة جاهزية إسرائيل للحرب يعزز قدرة الردع لديه في مواجهتها.
المعنى الكلي لما ورد هو الآتي: كان لدى إسرائيل رهان استراتيجي في سوريا منذ ما يقرب من ست سنوات على سقوط الدولة السورية وحلفائها، وعلى رأسهم حزب الله. إلا أن هذا الرهان في هذه المرحلة، يتجه نحو التلاشي. يضاف إليه أن الغول التكفيري، في لبنان وسوريا والعراق وسائر المنطقة، ككيانات عسكرية تسيطر على الأرض وتشغل أعداء إسرائيل، في الطريق أيضاً إلى الزوال.
من المبكر ــــ ولكن يمكن ــــ القول إن الشرق الأوسط الذي كانت تحلم به إسرائيل، والذي يتضمن إقامة حزام أمني بكيانات صديقة أو مدجّنة تابعة لأصدقاء يحمي وجودها وعمقها الاستراتيجي، هو شرق أوسط يتجه نحو التبدد، وهذا مدعاة قلق يعبر عنه الإسرائيليون تباعاً في الفترة الأخيرة.
الخريطة الإسرائيلية هي بمثابة فتح باب لخرائط أخرى، وإن كانت ستأتي بعناوين مغايرة، على شاكلة تصريحات وتهديدات على لسان المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، ودراسات وتوصيات معاهد بحثية وازنة... وغيرها. وسيتبع الخريطة خرائط أخرى، تعبّر عن مأزق، أكثر من كونها تعبر عن تهديد.




ليبرمان: نمنع سلاح دمار شامل عن حزب الله ونشترط رحيل الأسد

جدد وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، موقف تل أبيب الرسمي إزاء الساحة السورية وأي تسوية مستقبلية ممكنة حولها، لافتاً إلى أن إسرائيل لا تنوي «التدخل»، لكنها تشترط رحيل الرئيس بشار الأسد في أي تسوية.
ورد كلام ليبرمان خلال لقاء مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي في إسرائيل، أكد فيه أن «لا نية لدى إسرائيل للتدخل في الحرب الأهلية في سوريا، لكن عندما أسأل من حين إلى آخر ما هو طابع التسوية المستقبلية الممكنة في سوريا، أكرر القول إن موقفي يتلخص في أنه ليس المهم ما هي التسوية في سوريا، بل يجب أن يرحل الإيرانيون والأسد ويكونوا خارج سوريا، ولا يمكن أن يكونوا جزءاً من أي تسوية».
وتعليقاً على بيان صدر أمس عن مصدر عسكري سوري رفيع بأن صواريخ أرض ــــ أرض إسرائيلية استهدفت محيط مطار المزة بالقرب من دمشق، انطلاقاً من الأراضي المحتلة (فلسطين)، قال ليبرمان إن إسرائيل تعمل على منع «تهريب» أسلحة متطورة أو «أسلحة دمار شامل» من سوريا إلى حزب الله في لبنان، في إقرار منه بالمسؤولية عن الاعتداء أمس، ثاني اعتداء إسرائيلي على الأراضي السورية، في غضون أسبوع واحد.