طرحت في المراحل الاولى لتأليف الحكومة سلسلة افكار عن شكل الحكومة وعدد اعضائها ومهمتها. مع مرور الوقت تغيرت طبيعة المفاوضات، بعدما دخلت عوامل مختلفة على الخط، نتيجة تصلب المواقف بين من انتخبوا رئيس الجمهورية ومن لم ينتخبوه، والاصرار على الخروج بتشكيلة تراعي الحد الادنى مما يريده رئيس الجمهورية في حكومة عهده الاولى.

انطلقت المفاوضات من البحث عن حكومة من ثلاثين وزيرا، كان هدف المؤيدين لها ان تتسع لكل القوى السياسية، معارضين وموالين لعون وليس قوى 8 و14 آذار، طالما ان سقف الحكومات (خلال الحرب وبعد الطائف) هو الحكومات الوطنية الجامعة لكل القوى، وان تأليف حكومة من طرف واحد اثبت عقمه.

ورفع العدد الى 30 يعني ضم الحكومة كل القوى والاحزاب الاساسية والطوائف والمناطق كافة، فلا تغيب طرابلس وعكار والبقاع الغربي ولا زحلة ولا بيروت ولا كسروان ولا اي منطقة يعد تمثيلها العددي والطائفي مطلوباً في اي من الحكومات. وكان الهدف من هذه التشكيلة، التي كان عون اول مؤيديها، الاسراع في تأليف الحكومة الاولى من دون وقوع اي مطبات داخلية او خارجية، وتفادي اي عثرات تؤخر انطلاقة العهد وتجعل من رئيس الجمهورية رئيسا فحسب من دون حكومة، والرئيس سعد الحريري رئيسا مع وقف التنفيذ.
لكن جاء اقتراح احدهم ليقنع بعبدا بأن صيغة 24 وزيرا هي الافضل، لأنه بذلك تتقلص الحصص ولا توزع عشوائيا، وتاليا يضبط التمثيل الوزاري لكل فريق بحسب تمثيله العددي في المجلس النيابي. وافقت بعبدا ومعها الحريري على الاقتراح الذي يبدو انه جاء ملغوما. فمع تقليص العدد، بدأت المشاكل الحكومية، بحجة العدد والحقائب، وتوزعها بين سيادية وخدماتية، ما ادى تلقائيا الى تغييب فئات ومناطق، وخفض الحصص الطائفية وتغير توزعها بين الممثلين الاساسيين. علما ان المنطق الذي اعتمد في التشكيلة الاولية لم يأخذ في الاعتبار نسبية التمثيل النيابي، بل استند الى تمثيل سياسي بين داعمي انتخاب عون ومعارضيه وفق التفاهمات التي ابرمت في مرحلة ترشيح عون لا رئاسته، سواء مع القوات اللبنانية او مع تيار المستقبل.


في الساعات الأخيرة
عاد الكلام الى صيغة
الـ 30 وزيراً

حصدت حكومة 24 وزيراً كمية من المشاكل لم تكن فقط مبنية على العدد في حد ذاته، بل على المشاكل الرديفة المنبثقة من انعدام الثقة بين عون من جهة، والرئيس نبيه بري ورئيس تيار «المردة «النائب سليمان فرنجيه من جهة اخرى، ومن الخلاف حول الحقائب السيادية والخدماتية. من دون ان ننسى ان حجب الحقائب طاول ايضا النائب وليد جنبلاط والحصة الدرزية التي اعترض عليها، وموقع القوات اللبنانية في الحكومة بعدما كثرت المطالبة بتحجيمها وتقليص حصتها.
طرحت مجددا حكومة من 14 وزيرا وحكومة تكنوقراط كمخرج للازمة، وبذلك تكون الحصص موزعة طائفيا بما يشبه التوزع السياسي على مستوى الصف الاول، لكونها حكومة انتخابات ليس اكثر، وبذلك تسحب ذرائع تفجير العهد في اسابيعه الاولى. واستند داعمو الاقتراح الى ان هذا النوع من الحكومات نوقش في الطائف وأنه اجدى في هذه المرحلة الرامية الى نقل البلد من مرحلة شغور وانعدام توازن الى مرحلة تشكيل سلطة جديدة، بمجلس نيابي جديد وحكومة جديدة تنبثق منه، ولا سيما ان الوزراء « التكنوقراط» لن يكونوا من المرشحين للانتخابات منعا لازدواجية ستكون سمة اي حكومة سياسية موسعة.
لكن القوى السياسية لا تثق كثيرا بمهلة الاشهر الستة الفاصلة عن الانتخابات، بعدما تكررت تجارب الموقت الذي يصبح دائما. فالخشية من اي تطورات تمنع اجراء الانتخابات النيابية او تجعل من المتعذر الاتفاق على قانون الانتخاب، ادت الى التمسك بصيغة حكومية موسعة، والعمل عبثا على معالجة المشاكل التي تعترضها. اضافة الى ان الرغبة في تقاسم الحصص ومغانم السلطة والتصريح علانية بالمطالبة بوزارات خدماتية قبل الانتخابات من دون خجل او وجل، جعلت من المتعذر قبول حكومة مصغرة.
وبين الصيغ والصيغ المضادة، كان الحديث عن حكومة امر واقع، طرحت بجدية بعدما كان رئيس الجمهورية بحسب الذين التقوه مصراً عليها، وسحبت لاحقا من التداول، كما سحب الكلام عن فيتوات تخص الحقائب الشيعية وحصة الرئيس بوزير شيعي.
في الساعات الاخيرة، عاد الكلام الى صيغة حكومية من 30 وزيرا، بعدما وصلت العقد الى مكان يصعب حله، وسط معالجات على مستويين، حل الخلاف بين رئيس الجمهورية والرئيس نبيه بري، وقد بدأت الرسائل بينهما تتوضح حكوميا عبراقتراح التوسيع، وانتخابيا بالسعي الى تقريب وجهات النظر حول قانون انتخاب نسبي، يؤيده الطرفان ولا يقبله تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي. والمستوى الثاني معالجة الاشكال بين عون وفرنجيه والعمل جار على احتمال ترتيب لقاء بينهما، بعد البيان الرئاسي، يتماشى مع حل مشكلة الحقيبة الوزارية.
ويسعى الاقتراح الذي من شأنه تسريع انطلاقة العهد، الى حل الاشكالات المتراكمة، عبر توسيع قاعدة التمثيل الحزبي والمناطقي والطائفي مع احتمال دخول عناصر جديدة الى الحكومة تغير قليلا في الخريطة الحالية. من دون التقليل من اهمية الخلافات التي لا تزال تتحكم في علاقات القوى السياسية التي تحتاج الى اكثر من المشاركة في الحكومة، لتمتين اواصر الثقة وحل الاشكالات بينها، وخصوصا ان امامها مطبا جديدا يكمن في قانون الانتخاب، يحتاج منها الى جهد مضاعف لتخطيه.