قبل نحو خمس سنوات، حَضَر إلى لبنان قاضٍ فرنسي للمُشاركة في ندوة حول "حقوق الإنسان". كان اسمه برنار لافين. جلس حوله قضاة لبنانيّون. كانوا فرحين لحضوره. تلك الفرحة التي تبدو، في بعض فلتاتها، أقرب إلى "الجَلقة". لا بأس، للقضاء الفرنسي "معزّة" خاصة عند القضاء اللبناني.


هذه حكاية تاريخيّة. تضمّنت الندوة محاضرة بعنوان "تنفيذ العقوبة في لبنان وفرنسا - دراسة مُقارنة". على هامش اللقاء، وقبل انصراف الجميع، جلسنا على انفراد مع لافين، في زاوية المكان، وكانت دردشة. هل تَعلم، حضرة القاضي، أنّ رئيس مجلس القضاء الأعلى في لبنان لا بُدّ أن يَكون مسيحيّاً مارونيّاً؟ إّنه لا يَعلم. هذا ما أفاد به، أقلّه. هل تَعلم أنّ سُلطة هؤلاء القضاة، هنا في لبنان، الذين تمدحهم ويمدحونك، لا تَسمح أن يكون النائب العام في محكمة التمييز إلا مُسلِماً سُنيّاً؟ أها! إنّه لا يَعلم. هل تَعلم أنّ رئيس هيئة التفتيش القضائي لا بُدّ أن يكون مُسلِماً سُنيّاً أيضاً؟ هل تَعلم أنّ منصب رئيس ديوان المحاسبة مخصص للشيعة؟ ونزولاً إلى مواقع أخرى، كم مِن قاضٍ لم يُعيّن في منصب يستحقه بسبب طائفته؟ يُفهم هذا، إن كان لا بُد، في وظائف خارج القضاء، إنّما في القضاء! في مكان العدالة!


مَن أنتم حتى
يكون لكم أن تفرضوا
شيئاً أصلاً؟

تجهّم قليلاً وجه القاضي الفرنسي. كأنّه ما عاد يُريد سماع تفاصيل إضافيّة، فتوقّفنا. كنّا لا نزال في بداية اللائحة. تتوقع أنّه مِن الجيّد، بعد ذلك، أن يذهب القاضي الفرنسي إلى زملائه اللبنانيين ليقول لهم: "أنتم مش حلوين". أنتم تجيدون الإطلالة بمظهر برّاق، لكنكم، في الواقع، لا يحق لكم الاعتراض لو سخِر مِنكم القضاء السريلانكي، مثلاً (الجنسيّة التي يَسخر مِنها بعض اللبنانيين عادة). لن يفعل القاضي ذلك، غالباً، فالمُهم أن لبنان "فرنكوفوني". فلتُضرب الأنخاب، في صحّة "فولتير".
توقيف شاب "أهان الرمز الوطني" على مواقع التواصل الاجتماعي، لنحو أسبوع، واختلاف الناس بين مؤيّد ورافض، مجرّد تفصيل هنا. المسألة في أنّك، كقضاء، تكون متخلّفاً ثم تتوقع أن يَنظر الناس إليك على أنّك منصف ومحق للحق والعدالة. هل ثمّة مَن لا يَعرف حجم التدخلات السياسيّة في القضاء؟ كيف أنّ "المدعوم" يخرج سريعاً، إن أوقف أصلاً، بينما مَن ليس له "واسطة" سياسيّة - حزبيّة يتعفّن خلف القضبان؟ عندما تشتهر القوى الأمنيّة، مثلاً، بفساد عناصرها، أو كثير مِن عناصرها، ثمّ يأتي أحد هؤلاء العناصر ويُحرّر ضدّك محضر ضبط مخالفة سرعة مثلاً، فمِن الطبيعي أن تشعر بالاشمئزاز. أن تحس بخنجر غُرِز في حس العدالة داخلك. هذا يُعاقبني! أن لا يثق مَن ليس له "ظهر" سياسي، مَن ليس له أحد، بأن ثمّة عدالة في هذه البلاد، فعندها لا يعود مُهمّاً إن كان في فعله على صواب أو على خطأ. نعم، يُمكن "تربيّة" بقيّة الضعفاء بأن يُجلَد ضعيف مِن بينهم. هذا يفلح أحياناً، وربما غالباً، ولكن لا بأس أيضاً، وأنت القاضي أو الضابط، أو النائب أو الوزير، أو حتّى الرئيس، أن تعلم بأن ذاك المتروك لقدره، بلا حماية، يَحتقرك في أعماق نفسه. ربّما لن يقول ذلك، خوفاً مِنك، ولكنّه أحياناً سيفعل. أن تعلم أنّه يود، لو لم تكن تملك سُلطة الحديد والنار، أن يصفعك ويقتص مِنك. المسألة في الثقة. إنّه البشري الذي لا يثق في منظومة العدالة في "الحظيرة" التي يعيش فيها... قهراً. هنا ولِد، لم يختر ذلك، وهذه هي قوانين اللعبة. فقط لولا بنادق السُلطة. في القوة، صحيح، الدولة بمعنى السُلطة هنا هي التي تحتكر استخدام العنف، بحسب مقولة ماكس فيبر. لكن مَن هي السُلطة في لبنان؟ ثمة مَن يقول إنّ نظامنا هو مِن قبيل "ما قبل الدولة". حسناً، فلتكن فوضى! الآن هي فوضى، إنّما متفق عليها بين "الكبار". المُهم، لا يُمكنك أن تكون حاكماً لبلاد فُضِحَت عالميّاً بطوفان النفايات في شوارعها، بمشهديّة خزي وعار، نتيجة الفساد، ثم يكون لديك ترف تحرير مذكرة توقيف بحق أحدهم لأنّه "أهان" رمزاً وطنيّاً على الإنترنت. هذا الأحد قد يكون في قمة "القرف" مِن كونك سلطته. أنت "بهدلته" أمام الدنيا. لا يُمكنك أن لا يكون لديك انتخابات نيابيّة، فيُمدد النواب لأنفسهم مرتين متتاليتين، ثم تفرغ البلاد مِن كلّ شيء دستوري تقريباً، ثم تتوقع أن يفهم كلّ الناس حماستك في تحرير محضر ضبط مخالفة ما. القضيّة أبعد مِن مُجرّد حريّة رأي وتعبير. بمطلق الأحوال، هذه في لبنان أفضل مِن دول أخرى، لا نقاش في هذا، إنّما القضيّة في "مَن أنتم"؟ مَن أنتم حتى يكون لكم أن تفرضوا شيئاً، أصلاً؟ كهرباء، ماء، نفايات، فساد، محسوبيّات، صحّة، محاصصات، فراغات، مافيات، تعليم وسكن وتلوّث وقمح مسرطن وغذاء معجون بالغائط و... مِن أين يبدأ العد وأين ينتهي! ماذا قدّمت السلطات حتى تَفرض؟ إن كان لا بدّ مِن حفظ القانون في المجتمع، وهذا لازم بلا شك، فليكن ذلك بأقلّ قدر مِن الوقاحة. بشيء مِن الخجل، بالكثير مِنه.